توحيد الربوبية... شرح المنة (16)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
ولذلك فهذه قضية عظيمة الأهمية ، ومظاهر الشرك فيها منتشرة جداً ، وهي قضية التشريع ، والأمر والنهي والسيادة ، وينصون في الدساتير المدنية على أن السلطة التشريعية من حقوق الشعب ، وأن الشعب مصدر كل السلطات ، التشريعية والقضائية والتنفيذية ، ونحن نعوذ بالله من ذلك ، فالله -عز وجل- قال : (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى: من الآية21) ، فَسَمَّاهُم اللهُ -عز وجل- شركاءَ ، وهذا ـ كما قدمنا ـ مرتبط بالاعتقاد ، فمن اعتقد أن ما يقوله فلان حقٌ سواءٌ أكان ذلك في التشريع أم في التحليل أم في التحريم ، فهذا من الشرك في الربوبية حتى لو لم يتحاكم إليه ، وحتى لو لم يُطِعْه في هذا ، أما إذا أضاف إلى ذلك طاعته في التحليل والتحريم فقد عبده من دون الله -عز وجل- ، وهذا شرك في الألوهية ، وإن لم يقل : إني أعبدهم ، فإن عدي بن حاتم قال : « إنا لسنا نعبدهم » ، فلم يكونوا يركعون لهم ولا يسجدون ، ولكن اتبعوهم في تبديل الشريعة ، لم تكن طاعتهم في المعصية فقط ، بل اتبعوهم في التبديل ، قال -صلى الله عليه وسلم- : « ألم يُحَرِّمُوا الحَلالَ ويُحَلِلُوا الحَرامَ فاتَبَعْتُمُوهم » ، قال : بلى ، قال -صلى الله عليه وسلم- : « تلكَ عِبَادَتُهم » .
وهذه نقطة مهمة جداً وهي الفرق بين أن يطيع الإنسان غيره في معصية الله ، وبين من يعبده من دون الله -عز وجل- ، فيكف ذلك ؟!
نذكر مثالاً : لو أن أحد الناس قال : الزنا حرية شخصية ، من أراد أن يزني فليفعل ، مادام برضا الطرفين ، وكان سنُ الأنثى فوق الثامنة عشرة ، فهما حُرَّان يفعلان ما يشاءان .
فسمعه آخر فقال : إن هذا صواب ، وإن الحرية أفضل شيء ، وإنه لا يُعَاقَب إلا المُغْتَصِب ، فهذا قد اتبعه على التبديل ، فالأول حلل الزنا ، والآخر اتبعه على التبديل ، بخلاف شخص ثالث سمع الأول وهو يحلل الزنا ، فاعتقد أن : هذا حرام ، لكنه زنى لصعوبة الزواج الآن ... الخ، فاتبعه على الفعل ووافقه على الفعل لكنه لم يتبعه على التبديل فهو يقول له: هذا الفعل حرام.
مثال آخر : التبرج الموجود منبعه وأصله من الغرب ، فنساء الغرب هن اللاتي يتبرجن أشد من تبرج الجاهلية الأولى ، وفعلهم هذا مبني على الحرية ، فالنساء يخرجن هناك متبرجات سافرات لأنهن حرائر فيما يفعلن ، فالحرية أحد أسس المجتمع عندهم ، فلو قال قائل : من حق المرأة أن تحتجب بالزي الشرعي ، أو لا تحتجب فتتبرج كما تريد ، لا شيء يُلزمها ، والشرع ليس له أن يُلزمها ، فهذا القائل قد اتبعهم على التبديل ، اتبعهم على تحريم الحلال وتحليل الحرام ، وعلى عدم إيجاب الواجب ، فيعدون أنفسهم أحراراً في أن يفعلوا الواجب أو يردُّوه ـ كما قلنا في قضية الملك ـ فقد ردوا شرع الله -عز وجل- ، واتبعوهم على التبديل ، وأخرى متبرجة ترى الحجاب تخلفاً ، وترى أن الشرع ليس له أن يلزمها ، فهذا خروج من الملة .
بخلاف أخرى تعتقد أن : الحجاب فرض ، والتبرج حرام ، وتقول : تَبَرُجِي هذا خطأ ، لكن كل الفتيات متبرجات ، وأنا لا أستطيع ترك مجاراتهم وموافقتهم فتتبرج ، وتلبس أحدث الأزياء ، وقد تكون أشد تبرجاً من الأولى التي قالت إنها حرة مع شرع الله -عز وجل- ، لكن الأخرى عاصية وفعلها كبيرة من الكبائر ، ولها نصيب من العبودية لغير الله ، ولكنه شرك أصغر وليس شركاً أكبر ، لأنها اتبعت في معصية الله ، ولم تعتقد أنها حرة ولم ترد شرع الله -عز وجل- .
يزداد الأمر وضوحاً إذا تأملنا الفرق بين فعل آدم وفعل إبليس ، فكل منهما عصى اللهَ -عز وجل- ، لكن إبليس رد الشرع وقال : (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ) ( الحجر : 33 ) ، فَكَفَرَ بترك سجدة واحدة ، وسيدنا آدم عصى وأكل من الشجرة ، ولم يَكْفُر ، مع أنه أطاع إبليس ، وإبليس هو الذي أمره أن يأكل من الشجرة ، لكنه لما عرف أنه ظالم لنفسه قال : (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) ( الأعراف : 23 ) ، فلم تكن معصيته عبودية للشيطان ، لكنها مجرد معصية .
فالقضية قضية اعتقاد لا متابعة في الفعل فحسب ، اعتقاد أن الله وحده هو الذي يأمر وينهى ، ويُشرِّع للناس ، وهو -سبحانه وتعالى-السيد الآمر ـ الأمر الكوني و الشرعي ـ الناهي المُطاع في هذا الكون ، فهذا هو توحيد الربوبية .
واعتقاد أن غير الله له أن يأمر وينهى ويُشَرِّع للناس... شركٌ وإن كان صاحبه لا يلتزم بطاعة من يعتقد أن له هذا الحق.
فإذا أضاف إليه اتباعه على الشرع الذي شرعه دون شرع الله لكان عابداً له من دون الله .
ولو ردَّ عليه الأمر واعتقد أنه مبطل، وليس له حق التشريع، وأن أوامره باطلة، وفي نفس الوقت نفذ أوامره وأطاعه فهو عاص لله -عز وجل-.
والمؤمن يقع في معصية ، ويقع في طاعة إبليس ، وهو مع ذلك يرد على إبليس أمره ، يقول له إبليس : كلامي هو الصواب والرشاد ، فيقول المؤمن : كلامك خطأ وضلال ، ثم يقع في تنفيذ كلامه ، فهذه مجرد معصية ، بخلاف من يقول : كلام إبليس صواب ، ومن حقه أن يُشرع للناس ويأمر وينهى وكل واحد حر .
ومن ضمن الشرك في الربوبية شرك طائفة هي مجوس هذه الأمة ، وهم الذين يقولون بأنه ليس لله سلطان على أفعالهم ، وهم القدرية النفاة ، الذين يقولون إن الإنسان مخير تخييراً تاماً ، ليس هناك سلطان لله -عز وجل- عليه ، بمعنى أنهم ينفون أمر الله الكوني المتعلق بأفعال العباد ويقولون : ليست هناك أوامر كونية متعلقة بأفعال العباد ، وأن قوله -تعالى- : (كُنْ فَيَكُونُ) متعلقٌ بالذوات فقط وليس متعلقًا بالأفعال الإنسانية .
وهذا كلام باطل وشرك بالله ، والرسول -صلى الله عليه وسلم- سَمَّى هذه الطائفة مجوس هذه الأمة ، والصحابة سموها مجوس هذه الأمة ، وهم الذين يقولون إن الإنسان مخير تخييراً مطلقاً بمعنى أن إرادته وأفعاله لا سلطان لله -عز وجل- عليها ، وهذا خروج عن مقتضى الربوبية ، فكيف يكون ربٌ ثم يأمر في الكون بأمر فيحدث عكسه ، وتغلب إرادةُ المخلوق إرادَتَه الكونية ؟!
