شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعاة العالمانية والتنوير والتجديد... لماذا يكرهون "الأزهر"؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أولاً: "العالمانية - التنوير- التجديد":

فـ"العالمانية" أو فصل الدين عن الدولة أو بالأحرى عن تنظيم حياة الناس، منهج غربي قد يمكن التعايش بينه وبيْن بعض الأديان، ولكن لا يمكن التعايش بينه وبيْن الإسلام الذي جاء في القرآن الكريم أول مصادره، قول الله -عز وجل- لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) .

وأطول آية في القرآن تختص بالمعاملات، وهي آية الدين، وفي القرآن أحكام تختص بالبيع والإجارة، والقرض والهبة؛ فضلاً عن العقوبات التي تعتبر أخص ما تمارسه الدول مِن صلاحيات.

ودعاة العالمانية يقسِّمونها إلى ثلاث مراتب:

1- عالمانية ضد الدين وترفض وجوده: "ومِن أشهرها: المذاهب الإلحادية الدارونية والماركسية"، ويصفون هذه أحيانًا بالعالمانية الفرنسية.

2- عالمانية لا دينية: وهي عالمانية تنادي بفصل الدين عن الحياة، ولا "تمانع" مِن وجود الدين إذا كان دينًا عالمانيًّا أو حرَّفه أتباعه ليوافق العالمانية، وهي النوع الأكثر انتشارًا في أوروبا، ويصفونها أحيانًا بالعالمانية الإنجليزية.

3- عالمانية تحترم الدين: وهي الطور الجديد مِن العالمانية، الذي بدأت كثير مِن دول أوروبا في تطبيقه، ولا يختلف عن سابقه في ضرورة فصل الدين عن التشريع في الدولة، ولكنه يسمح للدولة بالاهتمام بذلك الدين "العالماني أو المعلمن"، بل ويرى توظيفه لتحقيق أهداف اجتماعية وسياسية بما يعني أن هذا النوع مِن العالمانية لا ينادي بالفصل التام بيْن الدين والسياسة، ولكنه يُخضِع الدين للسياسة بدلاً مِن إخضاع السياسة للدين، وهذه يطلقون عليها العالمانية الأمريكية.

وإذا نظرتَ إلى هذه الأقسام الثلاثة؛ فستجد أنها كلها منحرفة ومصادمة للقرآن الكريم فضلاً عن السنة النبوية الشريفة مع أن بعضها أهون شرًّا مِن بعض، ولكن هذا الأقل شرًّا ينقلب إلى "الأكثر خطرًا" حينما يستعمله أصحابه لتمرير هذا الباطل، فإذا خرج مَن يبين مصادمة العالمانية للإسلام؛ قالوا: أنتم لا تدركون أن العالمانية أنواع، وأننا ندعو إلى النوع الذي "لا يضاد الدين" أو "النوع الذي يحترم الدين" غير منتبهين إلى أن هذه الأنواع جائرة في حكم الإسلام غير ملتزمة بالحد الواجب للعبد المسلم، وهو أن يقول للشرع: "سمعتُ وأطعتُ".

ثم إن هؤلاء متى انكشفتْ حيلتهم فروا إلى استعمال مصطلحات حسنة، ولكنهم لا يعنون بها إلا تلك العالمانية القبيحة، ومِن أكثر هذه المصطلحات خداعًا ومجانبة للواقع مصطلح التنوير، وحسبك مِن شر أن يرى البعض أن كل مَن ينتسب إلى الدين في ظلام يحتاج إلى تنوير هؤلاء، الذي لا يعدو أن يكون تشويهًا للدين وتحريفًا له.

وعلى مسار آخر: وَجد هؤلاء مصطلحًا له أصل شرعي ويكثر تكراره في كتب التراث، وهو مصطلح "التجديد"؛ فركبوا هذا المصطلح وهو لا يعني عندهم إلا معنى واحدًا، وهو إخضاع الدين للسياسة، ولكل ما يستجد ويتجدد مِن نظريات؛ سواء كانت في مجال كيف بدأ الخلق؟ "وهو مجال غيبي محض عند المسلمين"، أو في مجالات الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة، وكلما تطورت تلك النظريات أو انتقلت مِن النقيض إلى النقيض لزم علماء الدين في حث هؤلاء أن يعيدوا قراءة الدين أو تأويله أو بالمعنى الصحيح "تحريفه".

ثانيًا: مصر الجائزة الكبرى و"الأزهر" السد المنيع:

لا يخفى على أحد أن مصر هي الجائزة الكبرى التي يحلم بالسيطرة عليها كل مَن يريد أن يكون في موقع الصدارة -في العالم القديم على الأقل-؛ ولذلك فالجميع يطمح أن تكون مِن نصيبه، أو -على الأقل- أن يكون فكره هو السائد فيها، فما زال المشروع الإيراني الفارسي رغم أذرعه المتعددة في معظم أنحاء العالم الإسلامي يتمنى اللحظة التي يوجد له في مصر ذراع قبل أن يلتهمها بصورة نهائية "ولهذا مجال آخر".

كما أن العالمانية الغربية رأت أن بوابة مرورها للعالم العربي والإسلامي، ولقارتي إفريقيا وآسيا يتم مِن خلال مصر، وتصدى لهم في مصر الكثير مِن المصلحين، وكثير منهم ممن لا يُصنف في خانة الدعاة، بل منهم مَن هو إلى الأدباء أقرب، مثل: "مصطفى صادق الرافعي" -رحمه الله-، ومنهم مَن هو مِن الساسة الغيورين على الأمة ودينها، مثل: الزعيم "مصطفى كامل" -رحمه الله-.

ولكن لكل واحد مِن هؤلاء دواء لدى العالمانيين؛ فهذا متطرف، وذاك رجعي، والثالث وهابي، وهكذا... إلا "الأزهر" وعلماءه؛ فمكانته الكبيرة عند كل المسلمين معلومة، وهو جامعة إسلامية عريقة لا يمكن أن تُرمى بمثل هذه التهم؛ ولذلك عمد هؤلاء إلى محاولة التمسح في الأزهر لا سيما بعد الحراك الفكري الذي حدث بعد ثورة يناير، وتجدد الاشتباك في عددٍ كبير مِن القضايا، وكان هؤلاء يهرعون إلى الأزهر تحت عنوان: "الالتزام بالفكر الأزهري الوسطي"، وغرَّهم ما يجدون مِن دماثة خلق فضيلة الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الجامع الأزهر، وحرصه على أن يكون الأزهر هو بيت العائلة الكبير، وحسن استقباله للجميع، وسعة صدره، وشدة أدبه مع الصغير قبْل الكبير؛ فظنوا أنه يمكن أن يوافقهم على ما يريدون.

ثم جاء الاختبار والمحك في أكثر مِن موقف.

ثالثًا: مواقف "الأزهر" وشيخه: الشيخ "أحمد الطيب" بعد ثورة يناير:

أ- الموقف مِن المادة الثانية:

كان مِن أول المواقف التي صُدم فيها الكثير مِن العالمانيين، الموقف الصلب الذي أبداه الشيخ "أحمد الطيب" في مواجهة الدعوات المنادية بتعديل أو إلغاء المادة الثانية مِن الدستور.

الصفحة التالية