شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعاة العالمانية والتنوير والتجديد... لماذا يكرهون "الأزهر"؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وقد كَتبتُ حينها مقالاً بعنوان: "شيخ الأزهر يؤم الأمة في الدفاع عن المادة الثانية... ولا عزاء للرويبضات"، ونشر في موقع "أنا السلفي" بتاريخ: "17-2-2011م" -ولم أكن حينها قد التقيتُ فضيلة شيخ الأزهر قط-، وكان مما قلته في هذا المقال: "وأما الآن، وقد تكلم "شيخ الأزهر" بكل ما يحمله هذا المنصب مِن قوة وتأثير؛ فنحن في قمة السعادة والفرح، ونحن نطير بتصريحاته، ونكون جنودًا مخلصين في نقلها وإلى أقصى الآفاق؛ ليعلم الجميع أنه إذا تعلق الأمر بالهوية الإسلامية فالأمة كلها يد واحدة، "الأزهر" وشيخه في الصدارة".

وجاءت تصريحاته عن المادة الثانية في الدستور لجريدة "اليوم السابع" في غاية القوة والوضوح، حيث أكَّد -حفظه الله-: "أن المادة الثانية مِن الدستور ليستْ مطروحة للتغيير أو التحديث، والاقتراب منها بمثابة محاولة لنشر الفتنة، فالمادة الثانية مِن الدستور هي مِن ثوابت الدولة والأمة، والحديث في تلك المادة هو مصادرة للديمقراطية التي نأمل الوصول إليها، ومصادرة على الحريات".

ب- الموقف مِن ضوابط تجديد التراث:

تكرر هذا الموقف مع دعوة الرئيس "عبد الفتاح السيسي" لتجديد الخطاب الديني، وحسنًا فعل، حينما أكد أكثر مِن مرة أن هذا الأمر مِن اختصاص الأزهر في المقام الأول، وحينئذٍ ظنَّ هؤلاء أنهم يستطيعون أن يفرضوا علمانيتهم بقوة الدولة "وإذا تعلق الأمر بفرض منهجهم رغم أنف الشعب ولو بقوة الدولة فهم أول مَن يبيع شعارات الحرية، والكرامة... إلخ"، ولكن الأزهر أكد مِن خلال شيخه ومِن خلال المشيخة، ومِن خلال الكثير مِن الرموز أن التجديد إنما يكون في ضوء ثوابت الشريعة، وعلى ضوء الكتاب والسنة، وأكد الرئيس هذا المعنى بتعيين الشيخ "أسامة الأزهري" مستشارًا دينيًّا.

وقد ساهمتُ أيضًا اقتناعًا مني بأن كلمة الأزهر أنجع أثرًا في تقديم رؤية الأزهر، بل رؤية شيخه حول ضوابط تجديد التراث مِن خلال مقالة اختصرت فيها كتابًا لفضيلة الشيخ "أحمد الطيب" حول هذه القضية، ونُشرتْ تحت عنوان: (ضوابط "تجديد التراث" عند "شيخ الأزهر")، وقلتُ في مقدمتها: "إذا طـُرحتْ قضية "تجديد التراث" أو ما شابهها مِن مصطلحات أمسكَ الكثير مِن المتدينين قلوبهم بأيديهم؛ ليس بسبب أنهم يرفضون مراجعة الإنتاج البشري الذي أنتجته الأمة، وإعادة صياغة ما يلزم منه وفق الثوابت الشرعية كما يتوهم -أو يحاول أن يوهِم- بعض العلمانيين؛ بل لأن بعض العلمانيين يطلقون الدعوة إلى "تجديد التراث" وغرضهم "تغيير التراث!"، أو ادعاء نسبية الدين بأصوله وفروعه؛ فلا يبقى مِن التراث إلا عبق التاريخ!

كما يتأمل الإنسانُ المعاصر صورَ الفلاح وهو يُلهِب ظهرَ ثوره بالسياط ليقود الساقية، أو يتأمل القرى التي بُنيت من اللبـِن، المضاءة بالمصابيح الزيتية أو بمصابيح الكيروسين... مجرد تاريخ له عبق، ولكن ليس له واقع! وأما الواقع؛ فليس مجرد الزراعة المميكنة، والعمارات الشاهقة، والأضواء الباهرة؛ وإلا فلا يوجد أحد يرى حرمة هذا دينيًّا "إلا أبطال الأفلام والمسلسلات التي يكتبها هؤلاء!".

وفي الآونة الأخيرة تَجدَّد الكلام على هذه القضية، ونحمد الله على وجود وَضع دستوري وقرارات تنفيذية تحيل الأمر إلى "الأزهر الشريف"، وأن فضيلة الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الأزهر له "كتاب رائع" في هذه القضية، بعنوان: "التراث والتجديد" بيَّن فيه ضوابط قضية تجديد التراث بما يحافظ على الثوابت، والتعامل مع المتغيرات وفق هذه الثوابت؛ ومما يزيد الأمر أهمية أن الكتاب قد أُعيد طبعه مؤخرًا كهدية مع "مجلة الأزهر".

وقد أثنى عليه الكثير مِن علمائه؛ مما يجعله ليس مجرد اجتهادٍ شخصي، والمطـَّلع على هذا الكتاب لفضيلة الدكتور "أحمد الطيب" سيجد أن له هدفين أساسيين: الأول: بيان الضوابط التي تَجعل قضية "تجديد التراث" قضية مقبولة لا تصادِم الكتاب والسنة، ولا تعادي تراث الأئمة. الثاني: الرد على مشروع مِن أكثر المشاريع العالمانية رواجًا؛ لا سيما بيْن المثقفين المصريين، وهو مشروع الدكتور "حسن حنفي" الذي أطلق عليه عنوان: "التجديد والتراث".

وقد بيَّن فضيلة الإمام أن هذا المشروع تغيير للتراث، وليس تجديدًا له! وسوف ننقل في هذه المقالة أهم الفقرات التي تبيِّن هذه الضوابط، وتجيب على أهم الشبهات، وأول ما نبدأ به خاتمة كتاب الدكتور "أحمد الطيب"، حيث ختم بحثه بهذه الفقرة تحت عنوان: "تعقيب" التي وضعنا نحن لها عنوانًا هو: "ضوابط تجديد التراث، والفرق بينه وبيْن تغييره".

ج- الموقف مِن استغلال د."جابر عصفور" لأسماء علماء أزهريين لترويج ما أسماه بالتنوير:

قدَّمنا أن العالمانيين لا يمانعون مِن استعمال سلطة الدولة في نشر فكرهم، وأنهم يتناسون شعارات الحرية والديموقراطية، واحترام الإرادة الشعبية، إلى آخره... ! ومِن نماذج ذلك: موقف الدكتور "جابر عصفور" والذي كتب مقالاتٍ إبان شغله لمنصب وزير الثقافة يُروِّج فيها لما أسماه بالتنوير، مستغلاً اسم عددٍ مِن علماء الأزهر، مثل: "رفاعة الطهطاوي - ومحمد عبده - بل والشيخ أحمد الطيب نفسه!" رغم أنه حي يُرزَق!

فقام الدكتور "عباس شومان" وكيل الأزهر بكتابة مقالٍ رائعٍ للرد عليه بعنوان: "خطابنا الديني" جاء فيه: "نشرت الأهرام بتاريخ 24 يونيو 2014م على صفحة كاملة مقالاً للدكتور جابر عصفور عن "صراعات الخطابات الدينية في مصر"، حَشر فيه عددًا مِن خيرة أئمة الأزهر الشريف وشيوخه في زمرة مَن يسميهم التنويريين الذين دعوا إلى فصل الدين عن الدولة في مصر منذ القرن التاسع عشر حتى الآن، ومِن هؤلاء الذين ادعى عليهم الدكتور جابر هذه الدعوى: رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وشلتوت، حتى شيخ الأزهر الحالي الدكتور أحمد الطيب... فهل صحيح هذا الذي ادعاه الدكتور عصفور على هؤلاء العلماء؟!

إن الدكتور عصفور هو واحد مِن الذين يبشِّرون بالتنوير الغربي القائم على الفلسفة الوضعية التي أثمرت العلمانية التي فصلت الدين عن الدولة، وأحيانًا فصلته عن الحياة، وهو دائم الدعوة إلى "مدنية الدولة" التي تعني -عنده- علمانيتها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية