شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

محمد -صلى الله عليه وسلم- "الرحمة المهداة"

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد امتدح الله -تعالى- نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بما جبله عليه مِن الرحمة العظيمة التي امتلأ بها قلبه وامتن الله بها عليه، فقال -عزَّ مِن قائل-: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران:159) . أي مع كونك رسول الله، ومع كونك مؤيدًا بالمعجزات والآيات التي على مثلها يؤمن البشر؛ لو كنتَ مع ذلك فظـًّا غليظ القلب لانفض الناس مِن حولك! (فكيف بغيره -صلى الله عليه وسلم-؟!).

والآية الكريمة تحمل توجيهًا عظيمًا في أهمية التعامل بخلق الرحمة والرفق مع الخلق والعباد، وأثر ذلك في هداية الناس واستجابتهم لمن يدعوهم إلى ما يحييهم بكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

وقد بلغ مِن رحمته وحرصه -صلى الله عليه وسلم- على نجاة الخلق، وإشفاقه مِن عدم إيمان مَن كفر به وتولى عنه - أن كادت نفسه الشريفة أن تتلف وتذهب حزنًا وحسرة على استحقاقهم لعذاب الله؛ فأنزل الله عليه: ( فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ) (فاطر:8) .

بل قد شبَّه الله -تعالى- لنا حال النبي -صلى الله عليه وسلم- مع مَن تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما حلَّ في نفسه الشريفة مِن الأسى والحزن على كفرهم، بمن فارقه أهله وأصحابه فهو لا يزال يتبع آثارهم بعد غياب أبدانهم متأسفًا على رحيلهم، فكذا كان -صلى الله عليه وسلم- متحسرًا على فوات الكفار منه، وعدم تمكنه من إنقاذهم حتى أوشك على أن يبخع نفسه -يقتلها ويهلكها- مِن شدة حزنه، فقال -تعالى-: ( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ) (الكهف:6 ) .

وقال -تعالى-: ( لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (البقرة:272) .

فمن هلك وسقط في النار إنما كان رغمًا عنه -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان كمن هو آخذ بحُجَز العصاة الذين كفراشٍ يهوي نحو النار وهو يذبهم ليبعدهم عن النار فيغلبونه ويسقطون فيها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقَحَّمُونَ فِيهَا ) (متفق عليه) .

وقد كشف الله -سبحانه وتعالى- لنا عن مشاعر نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما في نفسه الشريفة و أعماقه مِن الرحمة والرأفة، وسماه -صلى الله عليه وسلم- باسمين مِن أسمائه الحسنى، ووصفه بوصفين من صفاته العليا، فقال -عز وجل-: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128) .

فما أجمل أن يوصف إنسان "خاصة إذا كان قائدًا أو مسئولاً" بهذه الأوصاف العظيمة مِن أن يعز عليه عنت الناس، وأن يكون بهم رءوفًا رحيمًا!

- (لَقَدْ جَاءَكُمْ): أضاف الله -تعالى- المجيء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الآية الكريمة رغم أنه مكلف مِن الله بهذه الرسالة؛ للدلالة على الإرادة الخاصة والصادقة في نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاضطلاع بهذه المهمة الصعبة، والقيام بوظيفة هداية البشرية، وإرشاد الخلق لمصالح الدين والدنيا، ويا لها مِن مهمة ووظيفة لا يقوم بحقها إلا محمد -صلى الله عليه وسلم-! فلم يكن كارهًا أو مُكرَهًا.

- (رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ): فهو مِن جنسكم وعلى لغتكم، وهو مع ما هو عليه من تقوى الله -عز وجل-، وجميل الصفات والخصال، ومكارم الأخلاق العظيمة التي امتدحه رب العالمين بها: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (القلم:4) - هو مع ذلك مِن البشر؛ فليس من الملائكة أو غيرهم، بل يسري عليه ما يسري على سائر البشر مِن الجوع والألم، والفقر والمرض، والفرح والحزن، والرضا والغضب، والضحك والبكاء؛ فهو لذلك حجة -صلى الله عليه وسلم- على سائر البشر والخلق وأسوة للعالمين، وحتى لا يحتج أحد إذا طولب بما كان عليه من التحلي بالفضائل وترك الرذائل، وأن يترقى في مدارج السالكين ومعارج الصالحين، وأن يتشبه بمواقفه -صلى الله عليه وسلم-؛ بأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يكن بشرًا كسائر البشر أو مِن جنسهم.

- (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): هو -صلى الله عليه وسلم- يعز عليه ويؤلمه عنت الناس ومشقتهم، فهو ليس في عزلة عن همومهم ومعاناتهم وآلامهم، بل هو دومًا يسعى في مصالحهم وحاجاتهم، ويدعو للتيسير عليهم.

- قال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِه ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال: ( إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَلَكَنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

- بل حتى في أيسر الأشياء لا يوقع عليهم مشقة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ ) (متفق عليه) .

الصفحة التالية