محمد -صلى الله عليه وسلم- "الرحمة المهداة"
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
- وكانت سيرته -صلى الله عليه وسلم- في التيسير على عباد الله ورفع الحرج عنهم تطبيقًا عمليًّا لذلك: فهذا أنس بن مالك -رضي الله عنه- ذكر حديثًا عجبًا عن رجل في مسئولية النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما عليه مِن أعباء، وما لديه مِن مهامٍ جليلة عظيمة، فقال: "إِنْ كَانَتِ الأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينَةِ، لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ!" (رواه البخاري) . والمراد بقوله: "لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-": غاية التصرف، فمهما طلبت الأَمة مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا قضاه لها وأجاب طلبها، وذهب معها ولو كان مكانًا بعيدًا!
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أيضًا قال: إِنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: ( يَا أُمَّ فُلانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ ) فَخَلا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. (رواه مسلم) .
ولك أن تتخيل ما الذي يمكن أن يهم امرأة في عقلها شيء -كما وصفها أنس رضي الله عنه-؟! ومع ذلك يعتني بها -صلى الله عليه وسلم- حتى يقضي ويحقق لها حاجتها!
- (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ): والحرص هو: "شدة العناية بحفظ الموجود، وشدة الرغبة في الحصول على المفقود" (تفسير المنار) ، فهو -صلى الله عليه وسلم- حريص على اهتداء قومه به بإيمان كافرهم، وثبات مؤمنهم في دينه، و شديد التمسك بنجاة الناس وهدايتهم، كما قال الله -تعالى- له: ( إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ) (النحل:37) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (يوسف:103) .
- حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على تثبيت المسلمين وعدم تنفيرهم "شدة العناية بحفظ الموجود":
- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَالِسٌ، فَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: ( لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا )، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
- وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ -رضي الله عنه-، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؛ فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي، وَلا ضَرَبَنِي، وَلا شَتَمَنِي، قَالَ: ( إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ) أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. (رواه مسلم) .
فكان -صلى الله عليه وسلم- يعلـِّم الجاهل والمسيء بالحلم والرفق.
- شفقته -صلى الله عليه وسلم- على رجلين من الأنصار مرا عليه: عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ -رضي الله عنها- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ) فَقَالا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا ) (متفق عليه) . وهذا منه -صلى الله عليه وسلم- خشية عليهما؛ لأن سوء الظن به -صلى الله عليه وسلم- ردة ومهلكة.
- كما علـَّم -صلى الله عليه وسلم- المسلمين أدعية الثبات: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ( يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: ( نَعَمْ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
حرصُ النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية الكافرين ونجاتهم "شدة الرغبة في الحصول على المفقود":