"وزير الثقافة" العالماني يرسم خطة الهجوم على المؤسسة الدينية الرسمية!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فأطلب مِن كل قارئ أن يتخلى مِن كل الاتجاهات ويتحلى بالإنصاف، ويتخيَّل معي: ماذا لو كتب شيخٌ أزهري -فضلاً عن أن يكون شيخ الأزهر نفسه- مقالاً بعنوان: "خطر الهجوم العنيف على وزارة الثقافة"؟! ماذا كان سيكون موقف العالمانيين في مصر، وعلى أي محمل كانت ستحمل كلمة "العنيف"؟ وهل كانت ستُحمل على حسن النية بأن الكاتب يستنكِر الهجوم كله؛ لا سيما العنيف -أي أنها بلغة الأصول لا مفهوم لها-؟ أم ستُحمل على أن لها ألف مفهوم، وأن الكاتب يدعو للهجوم، ولكن غير العنيف مِن باب "التقية" ومِن باب الحلف الأزهري الداعشي السلفي الوهابي؟! "على طريقة السُلطات الفكرية ووضع كل مَن يدعو إلى الدين في سلة واحدة ورميهم بالداعشية!".
ثم ماذا لو أن تلك المقالة "المفترضة" قد خُتمت بتلك العبارة: "وزارة الثقافة تُنتقد وتوجه إليها الملاحظات، أما أن نحولها إلى شاخص لإطلاق النيران؛ فهذا خطأ وخطر!".
فأظن أن وجود تلك العبارة سيكون كفيلاً بالتنادي بالويل والثبور وعظائم الأمور "والإرهاب المؤجل" في فكر "الأزهر"، وكان سيخرج علينا "فلان" بتساؤل: "هل سننتظر حتى تُطلق النيران؟!"، ثم يخرج علينا "علان" ليستنكر العودة إلى العصور الوسطى ومحاكم التفتيش، بينما سيخرج الثالث متبجحًا ليقسِم بأننا نعيش في دولة دينية!
وبالطبع كل ما مضى وإن كان خيالاً؛ إلا أنه خيال مِن وحي الواقع، بل الواقع أشد منه وطئًا.
والآن أترك العالم الافتراضي إلى العالم الحقيقي.
المقالة الحقيقية بعنوان: "خطر الهجوم العنيف على الأزهر!" نشرتها المصري اليوم بتاريخ: 2-2-2016م، والعبارة التي خُتمت بها تقول: "الأزهر يُنتقد وتُوجَّه إليه الملاحظات، أما أن نحوله إلى شاخص لإطلاق النيران؛ فهذا خطأ وخطر".
الكاتب: هو الكاتب الصحفي حلمي النمنم.
الفكر: عالماني "وهو يرى أنه وكل الشعب المصري هكذا... وبالفطرة! ولا أدري: مِن أين للعالمانية أن تعرف الفطرة، وهي مِن الغيبيات؟! ولكن هذه هي العالمانية في مصر!
وظيفته: وزير الثقافة في جمهورية مصر العربية.
ملاحظة: هذا يعني أنه أقسم على احترام الدستور الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة، وعلى أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وينص أيضًا: على "مرجعية الأزهر".
فماذا يُسمَّى هذا؟!
وللمرة العاشرة نقول للوزير: لو أردتَ أن تعيش دور المفكر العالماني؛ فاترك كرسي وزارة الثقافة في الدولة الدينية "التي لا تعجبك كما تصرِّح دائمًا".
وبالطبع لا نرى العصمة لا للأزهر كمؤسسة ولا لأفراده "وإنما العصمة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولإجماع الأمة مِن بعده"، ولكن الذي أستهجنه أن يكتب أحد روشتة للهجوم غير العنيف على الأزهر، ولأسباب تتعلق برفض الأزهر الاستجابة للإرهاب "الفكري" العالماني الذي بلغ في الفترة الأخيرة حدًّا جعل الوزير "حلمي النمنم" يطالبهم بالاستمرار في الهجوم، ولكن "بهدوء!"، وهذا ما يتضح في بقية المقالة، وإليك أهم ما جاء فيها.
- الوزير لا يتحدث إلا إلى زمرته حيث يقول: "أعرف أن العشم في الأزهر كبير، والتطلع نحوه ضخم؛ لذا فإن بيننا مَن يتصور ولعله يتمنى أن يتدخل الأزهر لينهى مشكلة داعش والقاعدة، ويحل أزمات قانون ازدراء الأديان وغيرها، وأن يتم ذلك في التوِّ واللحظة، فإن لم يفعل باء بالهجوم، ولن يمكنه أن يفعل كل ذلك وحده".
لاحظ كلمة "بيننا" وحاول تضع مَن المقصود بـ"نا"، وستعرف أن الوزير منغلق على زمرته العالمانية إلى أقصى درجة!
وبالطبع الأزهر يقوم بدوره في مقاومة داعش والقاعدة، ولكن الغلو العالماني -ومِن وزير في الدولة!- هو الذي يغذي ذلك التطرف لا الأزهر.
وأما قانون ازدراء الأديان فلا أدري: هل يُطالِب الوزير بالسماح بازدراء الأديان أم يرى أن القضاء بدرجاته قد لا يُحسِن معرفة ما إذا كان السخرية من شعيرةٍ موجودة في القرآن ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (الكوثر:2) ، يمثـِّل ازدراءً للأديان أم لا؟! وعمومًا فإن الخطأ في تطبيق القانون -على فرض وجود ذلك- يعني المطالبة باللوائح التفسيرية وتفعيل الدستور في أن تستطلع المحكمة رأي الأزهر إذا اُستشكل عليها التهم الموجهة إلى شخص: هل تدخل في الاجتهاد السائغ أم في ازدراء الأديان مِن باب أن الدستور نص على أن الأزهر هو المرجع في الشئون الدينية والعلوم الإسلامية؟
- الوزير وزمرة العالمانيين غاضبون مِن "الأزهر"؛ لأنه لم يدافِع عن "البحيري" و"ناعوت"! حيث يقول: "وهناك مَن يتطلعون إلى أن يتدخل الأزهر ليدافع عن فاطمة ناعوت وإسلام البحيري، وهذا أيضًا تبسيط للأمور؛ مَن يتصور أن الأزهر سوف يتحول إلى مؤسسة لرعاية الفكر الليبرالي، هو واهم، ومَن يتخيل أن الأزهر يمكن أن يتحول عن دوره وعن تاريخه وعن تكوينه وبنائه المؤسسي لحظة، هو كذلك واهم!".
طبعًا الكاتب الصحفي "حلمي النمنم" بصفته "عالماني عاقل" يريد مِن "سفهاء العالمانيين" ألا يفرطوا في التفاؤل بأن يتحول الأزهر إلى الفكر الليبرالي، وأن يدافِع عن البحيري، وهذا بقدر ما يكشف عن هدوء الوزير بقدر ما يكشف عن التطرف العالماني الذي وصل إلى حد السفه!
- الوزير هو الآخر يطمع بأن يدور الأزهر "دورة كاملة"، ولكن ليس في "غمضة عين" كما يريد المتعجلون حيث قال: "أكرر القول بأن الأزهر كمؤسسة طابعها محافظ، شأن كثير مِن المؤسسات المصرية، ويصعب أن نطالِب هذه المؤسسات أن تتغير جذريًّا أو أن تدور دورة كاملة في غمضة عين، وفي هذا الصدد يكفي أن أصدر الأزهر بيانًا يعلن فيه أن قضايا الفكر تحل بالفكر، والرأي بالرأي، تلك خطوة متقدمة يجب أن نثني عليها وأن نبني عليها مع جهات التشريع".