واجب الوقت (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن المصطلحات الشائعة الاستعمال بيننا أن نقول: "واجب الوقت هو كذا أو كذا"؛ فمن أين أتى هذا المصطلح؟ وما معناه؟ وما واجب الوقت بالنسبة للآونة التي نعيش فيها الآن؟
تحقيق عبودية الله -تعالى- هو واجب كل وقت:
قبْل أن نتحدث عن واجب الوقت لا بد أن نتحدَّث أولاً عن واجب كل وقت "الواجب المستديم"؛ فواجب كل وقت هو تحقيق عبودية الله -تبارك وتعالى-، قال -تعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات:56) ، وتطبيق هذه العبودية في كل نواحي الحياة وعلى طول الحياة إلى أن تنتهي ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:99) ، ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:162-163) ، فهذا واجب كل وقت؛ العبودية لله -تبارك وتعالى-.
العبودية تشمل العبادات المحضة، وتشمل المعاملات، وهي تستغرق جميع مناحي الحياة:
وهذه العبادة يمكن أن نقسمها إلى أنواعٍ باعتبارات مختلفة، لكن الذي يعنينا هاهنا اعتباران هامَّان جدًّا؛ الاعتبار الأول: "مجالات عمل هذه العبادة في العبادات المحضة والمعاملات"، وهذه القضية التي يغفل عنها كثير مِن الناس مبنية على قوله -تعالى-: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )، وقوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ )، فجعل الغاية مِن خلق الجن والإنس هي عبودية الله -تبارك وتعالى-.
ثم إن بحثتَ عن معنى العبادة في أذهان كثير منا؛ تجد أنه يتحدث عن أمور لا تشغل إلا حيزًا يسيرًا جدًّا مِن الحياة، خاصة إذا تكلمت عن العبادات الواجبة؛ فالصلوات المفروضات كم تأخذ مِن الوقت في الأربع وعشرين ساعة؟ وكذلك الصيام المفروض شهر واحد من بين اثني عشر شهرًا، والزكاة الواجبة تتراوح بين ?.?? من المال كحدٍّ أدنى في زكاة عروض التجارة وزكاة الأموال، وبين ??? من المال كحدٍّ أقصى كما في زكاة العسل والخارج مِن الأرض.
فلا يمكن أن يخبرنا الله -تعالى- أن الحكمة مِن خلق الجن والإنس هي عبادته ثم تكون هذه العبادة لا تشغل إلا ??? أو نحوها مِن وقتنا ومن مالنا ومِن غير ذلك، لكن القضية هنا أن مَن أدرك أن العبودية يدخل فيها العبادات المحضة التي يسميها الناس الشعائر، ويدخل فيها أيضًا المعاملات؛ يعرف أن العبودية تشمل جميع الحياة فعلاً.
لذلك في الفقه نقول: إن الأحكام التكليفية خمسة:
1- طلب فعل لازم وهو الواجب.
2- طلب فعل على وجه التخيير والتفضيل وهو المستحب.
ومِن جهة أخرى:
3- طلب ترك على سبيل اللزوم وهو المحرم.
4- طلب ترك على وجه التخيير والتفضيل وهو المكروه.
5- وبيْن هذين القسمين: "الواجب والمندوب مِن جهة، والمحرم والمكروه مِن جهة أخرى" قسم مستوي الطرفين، وحتى هذا القسم مستوي الطرفين العلماء يدرجونه تحت الحكم التكليفي؛ لأنك ترى أنه يجب عليك طاعة الله عز وجل، ثم تنظر ما طَلب منك فعله، وما طَلب منك تركه، وما أباحه لك؛ فأنت اعتقدت إباحته بعد أن أباحه الله لك، وأنت إنما أقبلت عليه بعد الإذن مِن الله -تبارك وتعالى-.
فإذن فهذه القضية "أن العبادة تشمل جميع مناحي الحياة؛ تشمل العبادات المحضة، وتشمل المعاملات" تحتاج إلى اهتمام دائم، وأن نلفت أذهاننا دومًا إلى شمول معنى العبادة، وأننا نصلي لله، ونصوم لله، ونحج لله، ونخرج زكاة أموالنا لله، وكذلك نغضُّ أبصارنا لله، وكذلك تحتجب المرأة لله، وكذلك نصدق في البيع والشراء لله ( فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ) (متفق عليه) ، إلى آخر هذه المعاملات.
الرد على مَن يطعن في أمرٍ مِن الواجبات بدعوى أنه ليس مِن أركان الإسلام:
يجب الاهتمام بهذه النقطة؛ لأنه قد صار هناك طعن فيها، ومحاولة حصر الإسلام ليس فقط في العبادات، بل في أعلى العبادات التي هي أركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين، وأي شيء آخر بعدها يقول الطاعن فيه: هل هذه مِن أركان الإسلام؟ فنقول له: لو أردت أن تشتري شقة، هل تقبل أن تكون الأعمدة سليمة، ولكن لا يوجد جدران ولا أي شيء غير الأعمدة، أتقبل الشقة بهذا الوضع؟! بل الأشد مِن ذلك: هل تقبل أن تكون لك شقة كاملة فتقوم بهدم جميع الجدران وكل شيء فيها وتُبقي الأعمدة فقط، وتقول: يكفيني هذه الأعمدة؟! كذلك مَن يدعو إلى خلع الحجاب بحجة أنه ليس مِن الأركان الخمسة، نقول له: وإذا كان الحجاب ليس مِن أركان الإسلام الخمسة، أليس هناك واجبات أخرى غير الأركان الخمسة؟! وأنت حين دعوتَ إلى ترك هذه العبادة لم تعتذر بأنها تأتي في المرتبة الثانية بعد الأركان، بل بالعكس أنت تدعو الناس لهدم هذه الفريضة، كرجل اشترى شقة كاملة وتأكد أن الأعمدة سليمة ثم انطلق هدمًا في كل ما سوى هذه الأعمدة! هذا لا يمكن أن يحدث في الأمور المادية؛ لأنه سَفَه؛ فلماذا يحدث في الأمور المعنوية الشرعية التي مِن المفترض أن تكون أغلى عندنا مِن الأمور المادية؟!
فالناس في الأمور المادية يقيسون الأمور بالعقل والمنطق السليم -وهذا واجب-، وفي الأمور المعنوية الشرعية تجد الحِيَل ومناقضة العقل السليم مما ينكرونه هم في الأمور الدنيوية!
الرد على مَن يطعن في بعض واجبات الدين بدعوى أن هناك ما هو أوجب وأولى منها:
ومثل ذلك -والشيءُ بالشيءِ يُذكر-: مَن يريد أن يصدك عن طاعة بحجة أن هناك طاعاتٍ أهم منها!
فنقول له: إنما يبحث العاقل عن الأهم والمهم إذا تعارضا؛ كأن يكون في ظروف معينة لسببٍ ما كالوقت أو المال أو الجهد المتاح يجعله إن فعل الأولى يترك الثانية، وإن فعل الثانية لا بد وأن يترك الأولى؛ فحينئذٍ يختار أيهما أولى؛ لأنه مضطر أن يترك واحدة منهما، لكن إذا كان يستطيع أن يقوم بالأمرين معًا والأمران كلاهما حسن -فضلاً عن أن يكونا واجبين-؛ فكيف تنهاه أنتَ عن واجب منهما بدعوى أن الآخر أوجب؟!