شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

واجب الوقت (1)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

كطالبٍ في امتحان عرض له سؤالان؛ أحدهما يمثل 60% والآخر 40% مِن درجات الامتحان، فأجاب عن السؤال ذي النسبة الأكبر، فهل يقول له عاقل: احذر أن تجيب عن السؤال ذي النسبة الأقل ما دمتَ قد أجبتَ عن الأكبر؟!

فإذا كان الطالب قد عجز عن إجابة السؤال ذي النسبة الأكبر فأجاب عن السؤال الآخر ليحصل على 40% فقد أصاب؛ لأنه فَعَل المتاح، وهذا خير مِن أن يترك الإجابة بالكلية، ولا يلومه عاقلٌ أبدًا على إجابة السؤال الأقل نسبةً حال عجزه عن الإجابة عن السؤال الأكبر نسبةً.

الحاصل: أن هناك أناسًا يصلون في أمور دينهم إلى هدم ما هي عليه بقياسات في غاية البطلان، فإذا ذكرتَ له أمرًا مشابهًا في أمور الدنيا تجد الأمور عنده في غاية الوضوح، ولا يمكن أن يقبل مثل هذه الأقيسة في أمور الدنيا.

ولذا نقول: لو كان هناك أمران أوجبهما الشرع أحدهما أوجب مِن الآخر وجب الإتيان بهما جميعًا، ولا يُترَك أحدهما إلا لأمرين:

الأمر الأول: عند التعارض وتعذر الجمع بينهما؛ فيقدَّم الأهم.

والأمر الآخر: عند عدم إمكان القيام بأحدهما فيسقط لعدم الاستطاعة، ويبقى عليه وجوب القيام بالواجب الثاني حتى وإن كان غير المستطاع هو الأهم والأوجب، كمثال الامتحانين تمامًا.

لذا جاء الشرع بالرُّخَص كما في تعارض المصالح؛ فإذا تعارضت مصلحتان مثل الصيام إذا تعارض مع حفظ النفس كالمريض الذي يزيد مرضه أو يتأخر بُرؤُه بسبب الصيام؛ فالصيام وحفظ النفس كلاهما مصلحة، ولكن لما كان الصيام له بدل وحفظ النفس ليس له بدل، وإذا ضاعت النفس وتلفت ضاع الصيام وضاعت سائر العبادات؛ لذلك قُدِّم حفظُ النفس على الصيام عند التعارض، وهذه مسألة منصوص عليها.

وكذلك غير المنصوص عليها يُعمَل فيها بنفس القاعدة: "إذا تعارضت مصلحتان قُدمت أعلاهما، وإذا تعارضت مفسدتان دُفعت أكبرهما".

فإذن علينا أن ندرك أن العبادة تشمل كل العبادات المحضة، وكل المعاملات الشاملة لكل مناحي الحياة، وكون أن الأمور تتفاوت في الأهمية لا يعني أن يؤدي العبدُ أهم الواجبات ويترك ما وراءها مِن واجبات، لكن يقوم بكل ما يستطيعه؛ فالإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق؛ فسمى إماطة الأذى عن الطريق إيمانًا، وكذا كل ما فوقها؛ فتجد البعض يرى أن إماطة الأذى عن الطريق يعطي مظهرًا حضاريًّا فيهتم به، فنقول له: أنت اهتممت بقضية إماطة الأذى عن الطريق لاعتباراتك الخاصة أم لأنها مِن شعب الإيمان؟ لو اهتممتَ بها لأنها مِن شعب الإيمان؛ فقد أحسنتَ، لكن يلزمك ألا تأتي على أية شعبة مِن الإيمان مهما رأيتها دقيقة فتقول هي ليست مهمة؛ لأنك مهتم بأدنى شعبة لو كان الباعث عندك هو الاهتمام بشعب الإيمان، فالمفترض أن نهتم بجميع شعب الإيمان، ونأخذ منها ما استطعنا، وعند التعارض نقول: يقدَّم الواجب على المستحب، وإذا وقع التعارض بين الواجبات نأخذ الأوجب، وقد يكون الإنسان حريصًا على الاستزادة مِن الطاعات الواجبة والمستحبة -بغير تعارض بينها- يريد الفضل والثواب مِن عند الله.

ولنا في حديث أبي بكر -رضي الله عنه- مثالاً على ذلك، لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا. قَالَ: ( فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ ). قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا. قَالَ: ( فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا. قَالَ: ( فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ ). قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ، إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (رواه مسلم) .

فأبو بكر -رضي الله عنه- كان تاجرًا ولم يترك تجارته إلى أن بويع له بالخلافة، ومِن علو همته -رضي الله عنه- لم يتعارض الصيام عنده مع سائر أنواع البر، فما المانع أن يكون الإنسان صائمًا ويشيع الجنازة، ويعود المريض، ويتصدق على مسكين إذا كان عنده قوة في بدنه ودينه واستطاع أن يفعل كل هذا؟!

أما لو وقع تعارض؛ كأن يكون ضعيف البدن والصيام مستحب فيفطر ليقوى على القيام بحق الميت وتشييع جنازته، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- سَأل مع أنه يعرف حال أبي بكر ليجيب أبو بكر ويعلمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا هو الأفضل، وأن أبا بكر -رضي الله عنه- سبق الأمة بحرصه على الخير.

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن الـتـشـبه بـالـكـرام فـــلاحُ

عبودية الفرد وعبودية الأمة:

الاعتبار الثاني الذي ننظر إليه في تقسيم العبادة هو عبادة الفرد وعبادة الأمة؛ فعبادة الفرد: كالصلاة، والصوم، والحج، وبر الوالدين، وغيرها، أما عبودية الأمة فهي الشيء المطلوب مِن مجموع الأمة ككل، فالصلاة مثلاً مطلوبة مِن كل فرد مِن الأمة على حدة، فلو كان مجموعة مِن عشرة فصلى تسعة ولم يصلِّ واحد لكان تاركًا للصلاة، أما لو مر رجل على العشرة فسلـَّم عليهم فردَّ عليه أحدهم لأجزأ عن الباقين؛ فالمجموعة في حكم الواحد في هذا الباب.

مصطلح واجب الوقت:

فعبودية الله -تعالى- هي طاعة كل وقت، فمن أين يأتينا مصطلح طاعة الوقت أو واجب الوقت؟!

بعض العبادات معلقة على أسباب أو شروط أو أحوال تتغير بتغير الظروف الراهنة، فتقول هذه الأحوال وجب فيها شيء أكثر مِن غيره، وهذا أكثر ما يكون في باب فروض الكفايات، ومِن أكثر ما يكون في فروض الكفايات في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه الخصوص.

بعض العلوم كهيئة الغذاء وبعض العلوم كهيئة الدواء:

الصفحة السابقة الصفحة التالية