واجب الوقت (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحاصل: أن عندنا علومًا هي مِن باب الغذاء، وعلومًا هي مِن باب الدواء، هذه العلوم التي مِن باب الدواء غالبًا تتناول أمراضًا انتشرت في الأمة، كالشبهات التي تنتشر تحتاج إلى البحث فيها، والرد عليها، وتحصين الأمة منها، ومَن يعتبر نفسه أنه يقوم بدرجة مِن درجات فروض الكفاية في باب طلب العلم يحتاج أن يتعلم في هذه المسألة أكثر، ثم يحتاج أن يعبِّر عنها حسب الظروف المتاحة.
لا يشترط أن تكون طريقة الأداء في الدعوة مطابقة لطريقة التلقي:
مسألة أخرى متعلقة بطلب العلم: أنه لا يشترط أن تكون طريقة الأداء مطابقة لطريقة التلقي؛ فطالب العلم يمكن أن يكون قد درس بلغة معينة، لغة تكون نتيجة جهود علماء عبْر التاريخ درسوا وبحثوا ونقحوا ورتبوا، ونحتوا لهذا العلم المصطلحات، وبوَّبوا له التبويبات للتيسير على طالب العلم، فإذا أراد طالب العلم أن يدعو إلى الله؛ فليراعِ مستويات الناس في التلقي، ويُحسن عرض المعنى الذي تعلمه، مثل قضايا الإيمان والكفر، والكفر الأكبر والأصغر، والعذر بالجهل والتأويل، وغير ذلك كثير، إذا أراد أن يمارس الدعوة إلى الله وخاطب عموم الناس فليذكر بحقوق الأخوة الإيمانية، ويبين أن الأخوة الإيمانية تصل إلى أي حد؟ إلى حد قوله -تعالى-: ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (البقرة:178) .
فالأخوة الإيمانية وصلتْ إلى حد الأخوة بيْن القاتل وأولياء المقتول؛ فليست الأخوة الإيمانية محبوسة داخل جدران المسجد، بل عليك أن توصل للناس أن الأخوة الإيمانية تصل معك إلى كل مَن قال: "لا إله إلا الله" وإن كان قاتلاً أو شاربًا للخمر؛ كالرجل الذي كان يؤتى به كثيرًا في شرب الخمر فلعنه رجل فقال: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (رواه البخاري) ، فهذه الكلمة قد تكون أبلغ مِن الدرس الطويل في الإيمان والكفر الذي قد يحسنه بعض الناس ولا يحسنه البعض الآخر، فعلى الطالب أن يُخرج ما تعلمه للناس بصورة سلسة وحسب حال المخاطب، ومرة في خطبة أو درس، فالخطبة والدرس خصوصًا لهما رونق؛ لا سيما الخطبة هي أعلى شأنا، وهي عبادة استعمل فيها ما يسمَّى بفصيح العامة، ولا تأتي بغرائب اللغة ولا بالألفاظ التي يحتاج معها الإنسان إلى قاموس لينظر ما معناها، أما في الحوار مع الناس في الأماكن المفتوحة: كوسائل المواصلات فاستعمل اللغة العامية وضرب الأمثال التي يعرفها الناس، المهم أن تدرك أن القضية التي يجب أن تصل هي المرض المستشري الذي يحتاج إلى علاج.
وبعد هذه المقدمات حول معنى هذا المصطلح نناقش في المقال القادم -إن شاء الله- أبرز القضايا التي تستحق في ظروفنا الراهنة أن يُقال: "إن الاهتمام بها هو واجب الوقت".