واجب الوقت (1)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى؛ وهي أن العلماء قسَّموا العلوم، فقالوا -مِن باب ضرب الأمثلة-: إن بعض العلوم كهيئة الغذاء وبعض العلوم كهيئة الدواء، فطلب العلم وتعليمه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من باب فروض الكفايات، لكن فروض الكفايات دائمًا مرتبطة بفروض أعيان أيضًا؛ فالذي يتعلم بغرض تعليم الناس فهذا فرض كفاية، فإذا أردتَ أن تعلمهم فابدأ بفروض الأعيان، ثم تعلمهم فروض الكفايات، فمسألة فروض الأعيان وفروض الكفاية مرتبط بعضها ببعض.
فإذا تصديت لهذا الباب فاعلم أن بعض العلوم لبناء الروح وبناء القلب الإيماني كهيئة الغذاء للجسم؛ فهو يحتاجه دومًا، ونقصه يؤدي إلى سريان المرض، وبعض العلوم كهيئة الدواء، وهذا التقسيم اعتمده كثير مِن السلف.
هذا في أمور الدين يشبه كل معاني الإيمان: معاني التوحيد، معاني الطاعة، معاني العبادات وغيرها، فالمؤمن يحتاج دائمًا إلى أن يعرف ربه، ويعرف أسماءه وصفاته، ويعرف أنواع الطاعة؛ فهذا كالغذاء.
وأما العلوم التي هي كهيئة الدواء فهي رد الشبهات: فالشبهة داء والدواء هو رد هذه الشبهة، وهذا الموضوع قد يحتاج منا أيضًا إلى وقفة؛ لأن بعض الناس يقول: أنتم اعترفتم أن رد الشبهات كهيئة الدواء، فلماذا إذن تشغلون الناس بالكلام عن الشيعة والخوارج وغيرهم؟
فنقول: ألا تتعظ مما وقعتْ فيه الأمة جراء إهمالها لهذا الدواء؟!
وكيف أن الدنيا استيقظت فجأة فوجدت أن الشيعة يحكمون خمس عواصم عربية! وهم الآن يخططون لامتلاك القاهرة والرياض ليتم لهم الأمر وهذا بلا مواربة: حاصروا مِن الشمال ومِن الجنوب العاصمتين الأكثر استقرارًا وجاء دورهما، هذا كله نتيجة التراخي، وأن أناسًا كثيرين أخذوا ينهون الأمة عن تعلم هذا الدواء.
اهتمام الناس بالعلوم التي هي كهيئة الدواء في الأمور الدنيوية:
لننظر كيف يتعامل الناس في الأمور الدنيوية مع العلوم التي هي كهيئة الدواء؟ هل يصدون الناس عن تعلم الطب وتعلم الدواء وتصنيعه وبيعه؟ بالطبع لا، بل لا بد أن يوجد مِن الناس مَن يتعلم الطب والأمراض حتى الأمراض النادرة جدًّا، ومثال على ذلك: حالات ضربة الشمس التي انتشرت في هذه الأيام؛ كثير مِن الأطباء كان يدرسها وهو طالب في كلية الطب، وتعلم في الكلية الإسعافات الأولية البسيطة جدًّا لهذه الحالة، ثم اكتشفوا فجأة أن هناك عددًا كبيرًا من الوفيات نتيجة ضربات الشمس؛ لأن كثيرًا مِن الأطباء يفترض أننا نعيش في بلد معتدلة الحرارة، فلذلك نسي ولم يستحضر أعراض ضربات الشمس، ولم يراجع آخر التوصيات الطبية للتعامل مع هذه الحالات، وبعد زيادة أعداد الوفيات قامت وزارة الصحة بتوزيع بروتوكول على جميع المستشفيات يوضح أعراض هذه الحالة، وكيفية التعامل معها.
فهذا نموذج بسيط يبين أنه حتى الأمراض والأحوال غير الشائعة لا يصح أن يُقال: لا أحد يعرفها؛ لأنها تأتي فجأة! كما رأينا أن موسم الحرارة أتى فجأة بارتفاع غير معتاد في درجة الحرارة، فلو تخيلنا أنه كان هناك دراية كافية بمخاطر هذا الارتفاع في درجة الحرارة ودراية بالإجراءات اللازم اتباعها للوقاية من ضربات الشمس وعلاجها من البداية؛ لكان -بإذن الله- الأمر مختلفًا، وإن كان كل شيء بقدر، وإنما هذا مِن باب الأخذ بالأسباب.
خطورة الطعن على مَن يطلب العلم، والطعن على مَن يتعلم العلم الذي هو كهيئة الدواء:
فما يصنف مِن العلوم على أنه مِن باب الدواء غاية ما تقوله: أن لا يتحمله كل الناس بمبرر وبدون مبرر، فلا يحتاج كل الناس معرفة هذا الدواء، لكن لا بد أن يوجد في الأمة مَن يحسن معرفة الداء والدواء، فإذا انتشر المرض وُجِد مَن يتصدى له.
تجد كثيرًا مِن الناس ينهى عن العلم الذي هو مِن باب الدواء على اعتبار أن هذه رد شبهات، وأن هذه الشبهات غير موجودة، مع أن هذا أيضًا يخالف الحكمة والعقل والمنطق، بل قد تجد بعض الناس ينهى عن علوم هي غذاء ضرورية في بناء الإنسان ويتهكمون بها، كالذين يسخرون مِن تعلُّم فقه الطهارة والحيض والنفاس، فهل يطعنون في علم الفقه كله، أم في هذه الأبواب تحديدًا؟ وهل نما إلى علمهم أن أحدًا مِن الفقهاء أمر الناس بالاقتصار على تعلُّم فقه الطهارة فقط ونهاهم عن تعلُّم غيره مِن أبواب الفقه؟ أم أنهم يدرسون فقه الطهارة كجزءٍ مِن أبواب الفقه المتنوعة؟
إذا وجدتَ أحدًا يأمر بتعلُّم فقه الطهارة وينهى عن سائر أبواب الفقه، فلك الحق أن تنقده، لكن إذا كان الناس يتعلمون فقه الطهارة كجزءٍ مِن علم الفقه، فلماذا تنكر عليهم؟ وماذا تريد منهم؟ أتريد حذف فقه الطهارة مِن علم الفقه؟ أم تريد أن يتركوا علم الفقه كله؟! فهو يطلق الكلام ولا يبين ماذا يريد بالضبط، ومع الأخذ في الاعتبار أن للحيض والنفاس معانٍ مذكورة في القرآن وفي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا ندري كيف يجترئ مسلم على السخرية منها؟! ومَن يسخر يزعم أنه يسخر مِن أناس لا يفهمون الأولويات، ونحن نطلب منه أن يصف لنا أحوال هؤلاء، وأن يصف لنا الأحوال الصحيحة.
إن هذه الأحوال التي يزعم السخرية منها لا تقع إلا إذا وُجِد مَن يأمر الناس بالاقتصار على تعلم فقه الطهارة فقط، وهذا أمر لا يكاد
يوجد، فالمسألة في الحقيقة أنه عداء للعلم الذي لا يقوم عمل إلا به مِن صلاة أو زكاة أو أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر؛ أليس باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تُسفك الدماء، وتُنتهك الحرمات، وتُنقض العهود، ويُساء إلى الإسلام؟ كل ذلك باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباسم الجهاد في سبيل الله.
إن كل شيء مفتقر إلى العلم، ولا يُتصور إطلاقًا عاقلٌ يقول: لا داعي للعلم.
إذا وجدتَ أحدًا يتعلم بطريقة خاطئة فقل ما هو الخطأ، وانقده، وبيِّن ما الطريقة الصواب، أما كلمة "علماء الحيض والنفاس"؛ فلا نجد لها محلاً مِن الإعراب، ولا نفهم ماذا يريد قائلها منا؟
هل يريد منا ألا نتعلم الفقه أصلاً؟ فهل هذا يليق؟
أم يريد منا أن نتعلم الفقه ونحذف منه كتاب الطهارة؟ فهل هذا يصح؟!
أم يريد منا أن نقتصر في التعلم على كتاب الطهارة؟ فأين هؤلاء المجهولون الذين يناظرهم ممن يقولون للناس: تعلموا كتاب الطهارة وفقط؟!