واجب الوقت (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تعرَّضنا في المقال السابق لمفهوم "طاعة الوقت"، وبيـَّنا أن مِن جملة ما يتعلق به الأمراض التي تطرأ أو يزداد انتشارها في فترة ما، وسنحاول في هذا العدد أن نمر مرورًا سريعًا على أهم الأمراض والآفات، أو أهم البدعة المنتشرة في هذا الزمان، والتنبيه على خطرها، وبالتالي التنبيه على أهمية أن ندرسها وندرس الرد عليها، ونشيع ذلك الرد:
أولاً: "قضية الغلو في التكفير":
مرض الغلو في التكفير هو الأخطر مِن بيْن الأمراض الأخرى بسبب سرعة انتشاره:
تأتي في المقام الأول قضية الغلو في التكفير، والبعض سيبادر ويسأل: هل قضية الغلو في التكفير تأتي قبل قضية الإلحاد؟!
نقول: إن قضية الإلحاد هي أخطر قضية على الإطلاق؛ لأنها كفر صريح بالله -عز وجل-، ولكن ليست الخطورة دائمًا بمقدار الانحراف "مقدار بطلان هذا القول"، بل الخطورة في سرعة انتشاره؛ فبهذا المعيار قضية الغلو في التكفير أخطر.
وخطورة قضية الغلو في التكفير أنها تأخذ مِن رصيدٍ هو في الحقيقة أفضل رصيدٍ في هذه الأمة، ولا نقصد بذلك أننا نغمط حق عموم المسلمين؛ لئلا نقع فيما وقع فيه أصحاب هذه الآفة -أعني آفة الغلو في التكفير-، ولكن في الواقع درجة اهتمام المسلمين بإسلامهم متفاوتة، ودرجة اهتمام المسلمين بقضية فروض الكفايات وقضية الدعوة إلى الله متفاوتة؛ وبالتالي المسلم الذي وُجدت عنده عاطفة أن يدعو إلى الله وأن يؤم المساجد ويعمرها قد خطا خطوات أفضل للأمام يمكن أن يهدي الله به أقوامًا بعده، فتأتي بدعة التكفير على هذا الرصيد وتستنزفه.
"داعش" أسوأ حالاً مِن الخوارج الذين يكفـِّرون مرتكب الكبيرة:
فصاحب بدعة الغلو في التكفير يكفر مرتكب الكبيرة، وكثير منهم -أعني داعش- لا يكفر مرتكب الكبيرة، لكنه أسوأ ممن يكفر مرتكب الكبيرة، وتجد مَن يدافع عن "داعش" مثلاً ويقول: "هم يتبرأون مِن تكفير مرتكب الكبيرة".
نقول له: هل أنت متفق معنا أن تكفير صاحب الكبيرة بدعة شنيعة؟ وأن هذه البدعة سمَّى العلماءُ أصحابَها بالخوارج؟ وأسقطوا عليهم أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذمهم، وأنهم كلاب أهل النار وغير ذلك؟
فإذا قلت: نعم، فنقول: ما هي مشكلة الخوارج؟
إذا أردتَ الإجابة فانظر إلى الضابط النبوي: ( يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ ) (متفق عليه) ، ولم يذكر أنهم كفَّروا مرتكب الكبيرة، فالقضية أنهم كفَّروا المسلم وليست القضية بماذا كفروه؟ القضية أنهم استحلوا دمه بغض النظر عن الشبهة التي كفروه بها ووفق هذا الضابط النبوي يستحق أي أحد يكفر المسلمين ويستحل دماءهم لقب "خارجي"، لكن لما كان الخوارج الأولون يكفِّرون مرتكب الكبيرة قال العلماء: هذه هي طريقة الخوارج يكفِّرون شارب الخمر ويستحلون دمه، فإذا جاء أناس يكفِّرون المسلم السالم مِن الكبائر فالعقل يقول: إما أن تجعله خارجيًّا كأولئك الخوارج الأوائل، وإما أن تجعله أسوأ منهم، لكن لا يصح الدفاع عنهم بدعوى أنهم لا يكفِّرون مرتكب الكبيرة؛ لأنهم فعلوا الأسوأ؛ كفَّروا مَن لم يرتكب كبيرة أصلاً، طالما أنه لا يواليهم ولا يقاتل في صفوفهم فهو عندهم كافر! فهؤلاء إما خوارج وإما أسوأ مِن الخوارج.
فالحاصل: أن هذه البدعة قد طال شرُّها؛ فلم تعد قاصرة على تكفير مرتكب الكبيرة، أو تكفير عوام المسلمين؛ لأنهم لم يتعلموا التوحيد كما ينبغي في زعمهم -وكل هذا مِن الشر المستطير- بل امتدت حتى طالت مَن انشغل بالعلم والدعوة، هم عندهم كفار أيضًا لكنهم عندهم أقل كفرًا مِن غيرهم؛ يقولون لمن كان كذلك: أنت فهمت التوحيد وأقررت بوجوب الحكم بما أنزل الله، لكنك ما زلت كافرًا، ويبقى لك خطوة واحدة وتسلم: أن تكفِّر الكفارَ -يقصدون عموم المسلمين الذين يكفِّرونهم-؛ فتدخل بذلك في الإسلام.
فهذا المرض -أعني مرض التكفير- أصاب فريقًا كان مِن المفترض أن يقوم بنقل الخير للباقين وبنشر الحق، ولكنه ابتُلِي بذلك المرض فصار طاقة تدميرية، ولذا نقول: إن الأمر في هذا الوقت صار خطيرًا جدًّا، لهجرة كثير مِن الشباب مِن السلمية إلى العنف، ومِن السنة إلى الغلو في التكفير؛ استجابة لرءوس تلاعبوا بمن وثق بهم مِن الشباب، وواصلوا تحميسهم حتى أوقعوهم في الغلو في التكفير، ولعلهم بدأوا هم أنفسهم يكتوون بنار تلك الفتنة.
إذا رجعنا لتاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة وعلاقتها بفتنة الغلو في التكفير؛ فسنجد أن بلادنا ابتليت بموجة علمانية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ فظهرت في مقابلها موجة مقاومة للعلمانية -وإن كان فيها درجة مِن الانهزامية- مثل: حركة "جمال الدين الأفغاني"، ثم نُقِّحت بعض الشيء على يد "محمد عبده" ثم نقحت أكثر على يد "محمد رشيد رضا"، ولم تظهر بدعة التكفير إلا في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، ووصلت أقصاها في بداية السبعينيات على يد "شكري مصطفى"، ثم انحصرت في مجموعات صغيرة، لكن كانت هذه المجموعات الصغيرة كانت دائمًا مصدر إزعاج؛ فكانت ترتكب الجرائم ثم تنسبها إلى الإسلام؛ فتصد الناس عن سبيل الله في الداخل وفي الخارج.
وإذا كانت هذه المجموعات على صغرها قد تسببت في هذا الإزعاج؛ فما بالك بعد أن اتسع نطاق تلك البدعة، وتحوَّل أناس بأعداد كبيرة كان لهم وجودهم وإسهاماتهم في إسداء الخير إلى الناس كنصيحة أو تكافل اجتماعي أو أنواع مِن قضاء حوائج الناس، ولسبب أو لآخر يُبتلى أحدهم بشبهات فينقلب إلى التكفير أو إلى درجة مخففة منه.
ولاحظ أن أية درجة فيها تعامل مع المسلم على أنه ليس بمسلم، أو أنه مسلم درجة ثانية، أو أنه منزلة بيْن المنزلتين، أو أنه لا يستحق أن يُعطى حقوق الأخوة الإيمانية؛ فهذا كله في أثره العملي كالتكفير تمامًا، ولعل هذا أحد معاني قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ) (متفق عليه) .
واجبنا في مواجهة الغلو في التكفير: