واجب الوقت (2)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
فإذا وجدنا اتجاهًا كهذا وجب علينا أن نُحصِّن أنفسنا، وأن نُحصِّن الناس، وأن ننصح أي أحد يسير في هذا الاتجاه مهما كانت ظروفه النفسية، ومهما كان شعوره بالظلم، ونذكره بالله -عز وجل-، ونذكره بضوابط هذه القضية وبالمعاني الشرعية، ونذكره ببعض مواقف مِن تاريخ مِن يُعظِّمهم ومَن يراهم مصلحين وأئمة وقادة؛ كيف كان سلوكهم في مواطن كهذه؛ لكي نغلق الباب على هذا المرض الأخطر الذي ينقل ذوي الطاقات النافعة مِن خانة النفع العام إلى خانة الضرر العام، يعني من النقيض إلى النقيض تمامًا؛ فهذه القضية -بلا شك- يمكن اعتبارها واجب الوقت، ويمكن اعتبارها قضية ذات أولوية قصوى في زماننا.
ثانيًا: "قضية الشيعة":
يمكن أن يقارب قضيةَ الغلو في التكفير في الأهمية "قضيةُ الشيعة"، ولقد عشنا زمانًا طويلاً ومعظم الناس يعتبرون الكلام في هذه القضية ترفًا فكريًّا، وكما ذكرنا في المقال السابق أن الكلام في الرد على الشيعة أو غيرهم مِن أهل البدع هو مِن قبيل الدواء، فكما لا يلزم أن يتعلم كلُّ الناس الطب وأنواع الأمراض وإنما توجد فيهم نسبة كافية مِن الأطباء ممن يحسنون تشخيص المرض ووصف الدواء، ويتناول المرضى ما يحتاجونه منه؛ فكذلك ليس كل الناس يحتاج أن يعرف ماذا يقول الشيعة؟ وما هو الرد عليهم؟ ولكن لا بد أن يوجد منهم مَن يقوم بهذا.
وقد استفاق الكثيرون إلى خطر الشيعة، ولكن استفاقتهم جاءت في وقت متأخر جدًّا؛ فالحوثيون -على سبيل المثال- كانوا مِن الشيعة الزيدية، والشيعة الزيدية لا يكفـِّرون الصحابة ولا يؤذونهم، لكنهم كانوا يرون أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- كان أولى بالخلافة فقط، وهذا الكلام في حد ذاته بدعة تستحق الرد، ولكنها ليست على درجة خطورة الرافضة، فانظر كيف تكون بداية البدعة وكيف تكون نهايتها؟! أن ترى أفضل الخلق بعد الأنبياء لما اختاروا أخطأوا في الاختيار، وأنت الذي تختار الصواب! ولكن عمومًا كانت هذه قضية محصورة، وهم فيما عدا ذلك يعظـِّمون الصحابة -رضي الله عنهم-، ويرجعون إلى كتب السنة المعتمدة، وهذا بخلاف الروافض الذين لهم كتب غير كتب السنة المعتمدة، وهذا فرع على قضية تكفير الصحابة عندهم.
سكتنا إلى أن وصلت إليهم إيران فأخذتهم عندها وعلمتهم مذهب الشيعة الإثنى عشرية؛ فانقلبوا مِن مذهب الزيدية إلى مذهب الإثنى عشرية.
وماذا يعني أنهم صاروا شيعة إثنى عشرية؟
معنى ذلك أنهم صاروا يسبون الصحابة ويرون أننا طالما نترضَّى عن أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-، ونحب أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أننا صرنا عندهم بذلك متلبسين بتهمة أننا المسئولون عن دم الحسين -رضي الله عنه-! وأصبحوا يظاهرون علينا مِللَ الكفر المختلفة.
والحاصل أن الشيعة الزيدية تحولوا إلى شيعة إثنى عشرية والأمة في سبات عميق، ثم كانت المرحلة التالية لتحوُّل الفكر: مرحلة المال والسلاح، ثم كان الواقع الذي نراه الآن.
الاتفاق النووي الإيراني الغربي وأثره على زيادة الجهد في نشر التشيع في العالم العربي:
والجديد بالنسبة لنا في مصر وغيرها هو الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي، فبدون تفاصيل سياسية محصلة هذا الاتفاق هي الإفراج عن الودائع الإيرانية ورفع الحظر عن صادرات البترول الإيرانية، أما أمريكا فتقول: أيها العرب لا تخشوا من الإفراج عن الأرصدة الإيرانية؛ فإيران لن تنفقها على التشيع في العالم العربي؛ لأن الاقتصاد الإيراني متدهور وهي في حاجة إلى إنعاشه، مع أن حقيقة الأمر أن إيران كانت تنفق على التشيع رغم أن الاقتصاد الإيراني كان متدهورًا والأرصدة الإيرانية مجمدة وصادرات البترول محظور عليها، أفبعد أن تأتي هذه التدفقات يقولون: نحن سنصلح الاقتصاد؟ أم سيزيد الإنفاق على التشيع؟ فهذه هي القضية: أنك تتوقع ترويجًا للتشيع.
وسائل الترويج للتشيع بيْن أهل السنة:
هذا الترويج للتشيُّع يأتيك مِن خلال طريقة صوفية مخترقة شيعيًّا -كما اكتشفت الأجهزة الأمنية-، أو يأتيك بنفس طريقة توغل الفكر التكفيري الذي يكلمك عن التوحيد ووجوب الحكم بما أنزل الله -وهي قضايا هامة ومطلوبة بلا شك- ولا يزال بك حتى تكفِّر المسلمين، وكذلك يأتيك الشيعي ويحدثك عن حب آل البيت -وهو أمر هام مِن الإيمان بلا شك- ولا يزال بك حتى تتبرأ من الصحابة -رضي الله عنهم-!
فأنت بحاجة أن تلقِّن الناس وتعلمهم حب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأزواجه أمهات المؤمنين، وحب أصحابه -رضي الله عنهم-، وحب آل بيته؛ لأن شبهات الشيعة تتسرب إلى الناس بهدوء عبر أسئلة عن دم الحسين وخلافة عليٍّ -رضي الله عنهما-، وعبر كُتُبٍ ورسائل مشكِّكة حتى ينتهي الأمر بوقوع مَن غلبته هذه الشبهات في سب الصحابة -رضي الله عنهم-، واتهام عموم الأمة عبر التاريخ أنهم مسئولون عن دم الحسين -رضي الله عنه-، وأن الأمة ارتدَّت بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ستة مِن الصحابة، ويتحول هذا الشخص إلى كاره للأمة كلها.
فخطر الشيعة يأتي مِن خلال بعض الطرق الصوفية، أو مِن خلال بعض البسطاء، أو من خلال علمانيين، وهذا مِن أعجب الأمور أن تجد بعض العلمانيين يطعن في الدين ويقول: الفكر الغيبي والخرافة، فإذا كان هو يكره الخرافة ويحاربها، فالخرافة بأفظع صورها هي في دين الشيعة الذين يجرحون أبدانهم ويضربون أنفسهم بالسلاسل والسيوف، ويفعلون هذا بالأطفال، وغير ذلك مما يفعلونه يوم عاشوراء.
والعجيب صمتُ المنظمات الإنسانية والجمعيات الحقوقية عن هذا!
والعلمانيون يريدون ضرب أهل السنة بالشيعة؛ فالعلمانيُّ يريد خصمًا سهلاً، ويريد دينًا خرافيًّا يناقض العلم؛ ليثبت أن الدين خرافة، وأنه لا واقع له في الحياة كما حدث في أوروبا، وبالتي فهو لا يريد أن يُبرز الدين الذي حارب الخرافة ألا وهو دين الإسلام الصحيح الذي حرَّم التمائم، وحرَّم أن تنسب الأمور إلى النجوم أو إلى الكواكب وغيرها، وحرَّم كل مظاهر وأنواع الوثنية كالطواف بالقبور والتمسح بها، وحرَّم أن تسأل حوائجك مِن غير الله -تعالى-؛ لأن هذا الدين الحق هو الذي هُزِمتْ أمامه العلمانية.