شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التكفير المُقنـَّع!

عصام حسنين • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن الذنوب العظيمة رمي المسلم بكفر أو فسق أو لعنة أو نفاق دون استيفاء لشروط ذلك أو انتفائها عنه، قال الله -تعالى-: ( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (الحجرات:11) . أي: لا يطعن بعضكم على بعض، ولا تداعوا بالألقاب التي يسوء صاحبها سماعها، فبئست الصفة والاسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب من هذا فأولئك هم الظالمون. (راجع تفسير ابن كثير) .

قال قتادة -رحمه الله-: "( وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ) هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق".

(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ): قال السعدي -رحمه الله-: "فهذا هو الواجب على العبد أن يتوب إلى الله -تعالى-، ويخرج من حق أخيه المسلم باستحلاله، والاستغفار والمدح مقابلة على ذمه" (تفسير السعدي) .

وقال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) (النساء:94) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالكُفْرِ، إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ ) (رواه البخاري) .

قال ابن دقيق العيد -رحمه الله-: "وهذا وعيد عظيم لمن كفـَّر أحدًا من المسلمين وليس كذلك، وهي ورطة عظيمة وقع فيها خلق كثير من المتكلمين، ومن المنسوبين إلى أهل السنة والحديث لما اختلفوا في العقائد، فغلظوا على مخالفيهم وحكموا بكفرهم" (إحكام الأحكام 4/76) .

وقال ابن الوزير -رحمه الله-: "وقد عُوقبت الخوارج أشد العقوبة وذُمَّت أقبح الذم على تكفيرهم لعصاة المسلمين مع تعظيمهم في ذلك لمعاصي الله، وتعظيمهم لله -تعالى- بتكفير عاصيه، فلا يأمَن المكفـِّر أن يقع في مثل ذنبهم، وهذا خطر في الدين جليل، فينبغي شدة الاحتراز فيه من كل حليم نبيل" (إيثار الحق على الخلق) .

ويقول الشوكاني -رحمه الله-: "اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدِم عليه إلا ببرهانٍ أوضح من الشّمس" (السيل الجرار4/ 578) .

ويقول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: "وبالجملة فيجب على مَن نصَح نفسَه أن لا يتكلم في هذه المسألة -أي التكفيرـ إلا بعلمٍ وبرهان من الله -جل وعلا-، وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمِه واستحسان عقله، فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخالَه من أعظم أمور الدين، وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة" (الدرر السنية 8/ 217) .

الكفر حكم شرعي، وحق لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-:

يقول أبو حامد الغزالي -رحمه الله-: "الكفر حكم شرعي: كالرق والحرية -مثلاً-؛ إذ معناه إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي فيدرك إما بنص وإما بقياس على منصوص" (فيصل التفرقة) .

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- في رده على البكري: "فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفرون مَن خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ لأن الكفر حكم شرعي فليس للإنسان أن يعاقِب بمثله كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله؛ لأن الكذب والزنا حرام لحق الله، وكذلك التكفير حق لله فلا يكفر إلا مَن كفره الله ورسوله، وأيضًا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها؛ وإلا فليس كل مَن جهل شيئًا من الدين يكفر... ".

والكفر قول وعمل، كما أن الإيمان قول وعمل:

قول القلب: أي تكذيبه لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- أو لشيء مما جاء به.

وعمل القلب: كالبغض لله أو لرسوله -صلى الله عليه وسلم- أو لشيء مما جاء به، وقول اللسان: النطق بالكفر مختارًا عامدًا عالمًا، وعمل الجوارح أي بالكفر.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فمن صدَّق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه؛ فهو كافر قطعًا بالضرورة" (مجموع الفتاوى) .

وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر، والحياء شعبة من الإيمان, وقلة الحياء شعبة من شعب الكفر، والصدق شعبة من شعب الإيمان, والكذب شعبة من شعب الكفر، والصلاة والزكاة والحج والصيام من شعب الإيمان, وتركها من شعب الكفر, والحكم بما أنزل الله من شعب الإيمان, والحكم بغير ما أنزل الله من شعب الكفر, والمعاصي كلها من شعب الكفر, كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان" (الصلاة وأحكام تاركها ص 53) .

والكفر نوعان: كفر اعتقاد يخرِج مِن الملة. وكفر عمل ينقسم إلى كفر لا يخرج من الملة: ككفر النعمة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( يَكْفُرْنَ العَشِيرَ ) (متفق عليه) ، وكفر عمل يخرِج مِن الملة: كالسجود لصنم أو رمي المصحف في القاذورات وهو يعلم أنه كتاب الله، وكذا قول الكفر الذي يستلزم زوال قول القلب وعمله يخرج من الملة.

ولابد من التفريق بين تكفير النوع وتكفير المعين: فيُقال: مَن قال كذا أو فعل كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله أو فعله لا يكفر حتى تجتمع فيه شروط مِن: بلوغ، ويقظة، وعقل، وقصد، وذكر، واختيار، وعدم تأويل، وعلم "الذي هو في الحقيقة إقامة الحجة". وتنتفي عنه موانع من: صغر، ونوم، وجنون، وخطأ، ونسيان، وإكراه، وتأويل، وجهل ناشئ عن عدم بلوغ الحجة.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "وليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين -وإن أخطأ وغلط- حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومَن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبه" (مجموع الفتاوى 12/ 466) .

الصفحة التالية