التكفير المُقنـَّع!
عصام حسنين • المنهج السلفي
بعد هذه المقدمة التحذيرية والضابطة للتكفير يجب الحذر من الخوض في هذه المهلكة، ومن هؤلاء المبتدعة من فرق التكفير الذين يظهرون في صورة الناصحين، وهم يبطنون شرًّا لمخالفيهم يصل إلى استحلال الدم والمال إن تمكنوا!
كما أننا أمرنا شرعًا ألا نأخذ العلم إلا ممن كان من أهل السنة والجماعة، كما قال ابن سيرين -رحمه الله-: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم"، وقال الأوزاعي -رحمه الله-: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآثار الرجال وإن زخرفوا لك القول".
واحذروا مِن مجالستهم كما حذر علماء السلف: قال أبو قلابة -رحمه الله-: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تحادثوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون".
ثم الحذر مِن التكفير الذي سماه شيخنا المقدّم بالمُقَنـَّع حيث يقول تحت عنوان: "حرمة العلماء بين أخلاق السلف وواقع الخلف": إذا أطللنا إطلالة على واقع بعض طلبة العلم في زماننا... إذ نرى أناسًا انسلخوا من أخلاق السلف كما تنسلخ الحية من جلدها؛ لا يراعون لشيخ حرمة, ولا يوجبون لطالب ذمة... وهاك صورًا من عدوانهم وتطاولهم: فهذا أحدهم يُعير العلماء بأنهم فقهاء الحيض والنفاس! وآخر يخاطبهم قائلاً: متى تخرجون من فقه المراحيض ودورات المياه؟!
وثالث يصف لجنة الفتوى بالسعودية بأنها فاتيكان المسلمين! ويتكلم على أساس أن "تكفير" العلامة ابن باز من البديهيات التي لا تحتاج إلى نقاش.
ورابع ينكر في أحد المؤتمرات على مَن يصفهم بأنهم العلماء من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع!
وخامس يضع نفسه في صف الحافظ ابن حجر العسقلاني، ويقول متهكمًا: هو ابن حجر, وأنا ابن زلط! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وسادس يمارس التكفير المقنع باتهام هذا العالم بأنه ماسوني, وذلك الداعية بأنه عميل لكذا, أو جاسوس لكذا... مما يرجفون!
أجل إنهم يصنعون بفتنتهم "توابيت" تقبر فيها أنفاس الدعاة, وتوأد نفائس دعوتهم, ويرجف المرجفون بالشائعات المغرضة وهم يعلمون أن أئمة الهدى منهم برآء, والمرجفون في قرارة أنفسهم على أنفسهم شهداء: ( سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ) (الزخرف:19) ، وقال -جل وعلا-: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) (الأحزاب:58) ، وقال -سبحانه-: ( أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (المطففين4-6) ، وقال -تعالى-: ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) (العلق:14) .
وما بالقوم غيرة على الحق, وإنما هو الجهل العريض الذي يبدو لهم علمًا واسعًا, وإنما هو الكبر, والتيه, وبطر الحق, وغمط الناس منازلهم... إن منهج "هلك الناس" الذي ينتهجه بعض الطغام ما هو إلا نَفَسٌ خارجي حروري وعيدي, وإن تدثر بدثار الغيرة على الحق والانتصار له.
عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الفَاحِشِ وَلا البَذِيءِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
وعن رجاء بن حيوة -رحمه الله- أنه قال لرجل: "حدثنا ولا تحدثنا عن متماوت ولا طعـَّان"، وهذا أحدهم قد طوعت له نفسه أن يطلق لسانه بشتم بعض العلماء والإزراء بهم, فلا يراهم إلا من خلال منظار أسود قاتم لا يرى حسنة إلا وقد اصطبغت بالسواد, وكأنه لم يبقَ عالم يملأ عينيه أو يحترمه, مع أنه يتعسف ويتهور في إطلاق التهم, ويجازف في توزيع الأحكام بالبدعة والضلال, ويندفع في تعميم أحكامه بصورة لا تشم رائحة الانضباط العلمي الدقيق, وهو يحسب أن انتصاره للحق ودفاعه عن عقيدة السلف يسوغان له الجفاء والتهور" (حرمة أهل العلم باختصار) .
وحدِّث -الآن- عن التكفير المقنع ولا حرج, فكلمات "عميل - بابا الأزهر - عبيد البيادة" شائعة على ألسنة بعض الناس ممن لا يرقبون في مخالفيهم في الرأي والاجتهاد إلاً ولا ذمة!
والعجيب أن يصدر هذا مِن مثل الشيخ "عبد الرحمن عبد الخالق" حيث يرمي الشيخ "ياسر" بعظيم فقال -دون تبين أو تثبت!-: "زجك بهذه القاعدة (الكفرية) لتكون هي المرجعية عند الخلاف؛ نسف للدين من أساسه، وإننا نقول هذا ليُعلم أن بقاء الشيخ ياسر برهامي وحزبه الظلامي في لجنة الدستور ليس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه, ولكن ليدلهم على طرائق من الشر لم يكونوا يعرفونها، ويصدق عليه ما قاله ابن الراوندي عن نفسه:
وكـنتُ من جـند إبليس فارتـقـى بي الحال حتى صار إبليس من جندي"
وإنا لله وإنا إليه راجعون!
وهذا من أبطل الباطل ورمي للشيخ -أيده الله- بالبهتان، وقد علم القاصي والداني المنصف أن الشيخ كان يجاهد في لجنة 2012 و2013م مِن أجل منع هذا التفسير؛ لأنه إلى وقت وضع الدستور كان تفسير مبادئ الشريعة بقطعي الثبوت والدلالة معًا، وهذا يمثل 3% فقط من أحكام الشريعة!
وكانت ثمرة هذا الموقف الذي في ميزان حسنات الدعوة والحزب، وسيكتب بحروف من نور في تاريخ مصر -إن شاء الله- المادة (219) في دستور 2012م، وما وضع في ديباجة دستور 2013م أن تفسير المبادئ هو: "مجموع ما تضمنه تفسير المحكمة الدستوريه سنة 85 و87 و95 و97".
وحكم 85 ينص صراحة على تفسير المبادئ بأحكام الشريعة، وأن المشرع لا يخرج عنها، وإذا لم يجد حكمًا صريحًا؛ فيجتهد في استنباط الحكم من مصادر الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.
وسل "الهيئة الشرعية" عن تقديمها الشكر للشيخ "ياسر" على مجهوداته في نصرة الشريعة ومواد الهوية في لجنة 2012م!
وسل جولاته "يمينًا وشمالاً" مِن أجل تعليم الناس مسائل الاعتقاد والحكم بما أنزل الله!
وسل جولاته لإقناع الناس بالتصويت بـ(نعم) على الدستور تُخبرك بأن ما نسبته إلى الشيخ عظيم يجب أن ترجع عنه؛ فإن مَن رمي مؤمنًا بباطل وهو يعلم حُبس على جسر جهنم حتى يخرج مما قال كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-.