"البحيري" مع "ممثلي الأزهر": يناظِر أم يناور؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد خرج علينا "إسلام البحيري" معلنًا تحديه للأمة وتراثها؛ فسفـَّه "الأئمة الأربعة!"، وطعن في "البخاري ومسلم!"، وازدرى كتب الفقه، وحقـَّر مِن شأن كتب التفسير! وتوعد الأمة بأنه "عايش لنا ثلاثين سنة أخرى!" يواصل فيه جهاده وتنويره وبيانه لعوار كتب التراث!
وقد كتبتُ مِن قبْل أن الرجل أغراه "حلم الأزهر" وغير الأزهر، حيث لم يريدوا أن يشغلوا الناس بمثل هذه الأقوال؛ فظن أن الجميع يهابه، وأنه الباحث الذي لا يشق له غبار، ولا يراجع له بحث! كما أغراه "الحماية" التي وفرتها له "القناة" التي يعمل بها، حيث رفضت عدة مرات أن تستضيف أحدًا في غير برنامج "إسلام" ليرد على برنامجه "مع إسلام!".
المهم أن الاستياء قد عمَّ مِن كثرة إلحاحه وإصراره على المضي قدمًا في الطريق الذي خطه لنفسه، فتدخل "الأزهر" وتقدَّم بشكوى ضده، وحينئذٍ فقط سعت قناته لعقد مناظراتٍ بينه وبين "ممثلين للأزهر"، كما سعت قنوات أخرى لعقد مثل هذه المناظرات أو السماح له بإجراء مداخلات هاتفية في وجود بعض "ممثلي الأزهر"، والعنوان الرئيسي لمنهج "إسلام البحيري" في هذه المناظرات أنه يناور لا يناظر.
لقد سحب "البحيري" كل مشروعه القائم على نسف كتب التراث؛ فقهًا وتفسيرًا وحديثًا، واختزل مشروعه في قضيتين:
الأولى: سن عائشة -رضي الله عنها- عندما تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو البحث الذي قدَّم نفسه به في الإعلام، والذي زعم فيه أن سن عائشة -رضي الله عنها- عندما تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان سبعة عشر عامًا!
الثانية: قضية إنكاره لحد "الردة" الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما.
ولنا على هذا المسلك منه عدة ملاحظات:
الأولى: أنه إن كان يعتقد أن ما قاله في حق كتب التراث حق فمن الخيانة أن يتخلى عن المناظرة عنه، وإن كان يعلم أنه باطل فمن الخيانة ألا يعلن تبرأه منه صراحة وعلنًا؛ بدلاً مِن النفي والإنكار في أمور ثابتة في "اليوتيوب".
الثانية: اصطحب بعض ممثلي "الأزهر" معهم "فيديوهات" له في نقده لكتب التراث، بل للقرآن ذاته، وسلموها للـ"كنترول" لكي تذاع على المشاهدين أثناء المناقشة، ولكن "كنترول" تلك القنوات كانوا لا يملكون برنامج مشغل "الفيديوهات" المناسب للـ"فورمات" التي جاءت بها هذه الملفات، مع أن أجهزة الكمبيوتر الشخصية التي يحملها "التلاميذ" يكون فيها البرامج التي تشغل كل الـ"فورمات" المتاحة، ولكن كمبيوتر هذه القنوات العملاقة كان خاليًا منها!
مع أن الأمر لو كان كذلك فهناك حيل، كأن يشغل هذا "الفيديو" على هاتف أحدهم ويأخذ منه ( link out ) على الـ( mixer )، ولكن لسبب أو لآخر لم يلجأوا إلى هذه الحيلة!
الثالثة: هل تحرك الأزهر ضد "إسلام البحيري" عندما نشر مقالته عن سن عائشة -رضي الله عنها- مع ما فيها مِن خلل؟!
الإجابة: لا.
- هل تحرك "الأزهر" ضد "البحيري" حينما أنكر حد الردة مع ثبوته في البخاري ومسلم وإجماع العلماء عليه "مِن حيث الجملة"؟
الإجابة: لا.
إذن "الأزهر" تحرك بعد ما أحدث "البحيري" أقوالا هي أشنع بكثير من هذين القولين، ومِن ثَمَّ؛ فالنصيحة لمن يناظر "البحيري" -لا سيما إذا كان ممثلاً للأزهر- هي لا بد وأن يبين للناس الأكاذيب والأغلوطات والبذاءات التي أطلقها "البحيري" مُرتبة مِن الأفدح إلى الذي يليه، وعدم السماح "للبحيري" أن يحصر ضلالاته في آراء يرى أنه يمكن أن تجلب له تعاطف الجمهور الذي سيرى أن رد فعل الأزهر ليس مساويًا للفعل.
الرابعة: مع ما تقدم، فلا ينبغي التقليل مِن شأن هاتين القضيتين، ولنتعظ كيف دخل منهما؛ فظن به الكثيرون أنه يريد فقط أن يرد على تلك النقطتين حتى يفوت الفرصة!
وإليك ملخص الجواب على كلٍّ من هاتين القضيتين:
1- قصة سن عائشة -رضي الله عنها- عند زواجها من النبي -صلى الله عليه وسلم-:
هذه القضية التي خرج فيها "إسلام البحيري" علينا متقمصًا دور الباحث الذي سيرد على شبهات المستشرقين ويبين لهم باطلهم؛ فكان ماذا؟! كان أن بدأ معركته خاسرًا، إذ أقر لهم بأن القصة الصحيحة الثابتة في البخاري ومسلم وغيرهما تنافي مقام النبوة! ومِن ثَمَّ بدأ يحاول إثبات العكس!
فأتى مِن العجائب أمورًا كثيرة، منها:
1- تقديم الروايات الضعيفة على الصحيحة.
2- تقديم المفهوم على المنطوق، وتقديم الاستنتاج على المعلومة.
3- تأخير أخبار أصحاب الواقعة وتقديم غيرها عليها.
كل هذا؛ لأنه لم يَرُق له أن يقر بأن النضج البدني والنفسي يختلف باختلاف البيئات، ونسب ذلك إلى الوهابيين -كعادته!-، مع أن هذا الكلام ردده الكثير مِن الباحثين منذ بدا للمستشرقين أن يعيبوا أمرًا لم يكن معيبًا في وقت فعله.
وممن بيَّن هذا الدكتورة "بنت الشاطئ" في كتابها "سيدات بيت النبوة" حيث قالت: "ولم تدهش (مكة) حين أُعلن نبأ المصاهرة بيْن أعز صاحبين وأوفى صديقين، بل استقبلته كما تستقبل أمرًا طبيعيًا مألوفًا ومتوقعًا، ولم يجد فيها أي رجل مِن أعداء الإسلام أنفسهم موضعًا لمقال، بل لم يدر بخلد واحد من خصومه الألداء، أن يتخذ من زواج محمد -صلى الله عليه وسلم- بعائشة مطعنًا أو منفذًا للتجريح والاتهام، وهم الذين لم يتركوا سبيلاً للطعن عليه إلا سلكوه؛ ولو كان بهتانًا وزورًا وافتراء!
وماذا عساهم أن يقولوا... ؟!
هل ينكرون أن تُخطب صبية كعائشة -رضي الله عنها- لم تتجاوز السابعة من عمرها على أبعد تقدير؟ لكنها قد ذكرت قبل أن يخطبها على (جبير بن مطعم بن عدي) بحيث لم يستطع أبو بكر أن يعطي كلمته لخولة بنت حكيم حتى مضى فتحلل من وعده لأبي جبير.
أو ينكرون أن زواجًا بين صبية في سنها، وبين رجل اكتهل وبلغ الثالثة والخمسين؟