"البحيري" مع "ممثلي الأزهر": يناظِر أم يناور؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وأي عجب في مثل هذا، وما كانت أول صبية تزف في تلك البيئة إلى رجل في سن أبيها، ولن تكون كذلك أخراهن؟ لقد تزوج (عبد المطلب) الشيخ من (هالة) بنت عم (آمنة) في اليوم الذي تزوج فيها عبد الله أصغر أبنائه، من تِرب هالة (آمنة بنت وهب)، وسيتزوج (عمر بن الخطاب) من بنت علي بن أبي طالب، وهو في سن فوق سن أبيها! ويعرض (عمر) على (أبي بكر) أن يتزوج ابنته الشابة (حفصة) وبينهما من فارق السن مثل الذي بين الرسول وعائشة، لكن نفرًا من المستشرقين يأتون بعد نحو ألف وثلاثمائة عام من ذلك الزواج، فيهدرون فروق العصر والبيئة، ويطيلون القول فيما وصفوه بأنه (الجمع بين الزوج الكهل والطفلة الغريرة العذراء)، ويقيسون بعين الهوى زواجًا عُقد في مكة قبل الهجرة بما يحدث اليوم في الغرب المتحضر، حيث لا تتزوج الفتاة عادة قبل سن الخامسة والعشرين، وهي سن تعتبر حتى وقتنا هذا جد متأخرة في الجزيرة العربية، بل في ريف مصر وأكثر مناطق الشرق.
وهو ما أدركه مستشرق منصف زار الجزيرة وعاد يقول: "كانت عائشة على صغر سنها نامية ذلك النمو السريع الذي تنموه نساء العرب، والذي يسبب لهن الهرم في أواخر السنين التي تعقب العشرين... ولكن هذا الزواج شغل بعض المؤرخين لمحمد... نظروا إليه من وجهة نظر المجتمع المصري الذي يعيشون فيه، فلم يقدِّروا أن زواجًا مثل ذلك كان ولا يزال عادة آسيوية، ولم يفكروا في أن هذه العادة لا زالت قائمة في شرق أوروبا، وكانت طبيعية في أسبانيا والبرتغال إلى سنين قليلة، وأنها ليست غير عادية اليوم، في بعض المناطق الجبلية البعيدة بالولايات المتحدة" (اهـ، بودلي: الرسول ص 129 من الترجمة العربية لفرج والسحار) ".
مما سبق يتضح أن "البحيري" لم يخدم التراث ببحثه ذاك، وإنما كان ذلك البحث بمثابة السم المخلوط بالعسل، والذي مهد بعده لسم لا عسل فيه!
2- حد الردة :
يقول الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد في كتابه تلبيس مردود في قضايا حية: "حكم الردة: الكلام عن الردة ينتظم عدة جوانب:
أولها: الإيمان بالإسلام المبني على الإكراه والجبر غير معتد به -كما سبق-، أي أنه لا يدخل الداخل فيه حقيقة إلا إذا كان عن اقتناع ورِضًا وتبصُّر؛ ذلك أن النظرة العاقلة المنصفة تؤكد كمال هذا الدين، وتنزهه عن الباطل، وتحقيقَه لحاجات البشر، وتوافقه مع الطبائع السليمة التي فَطَر الله الناس عليها.
الثاني: في تاريخ الإسلام الطويل لا يكاد يُذكر مرتد ارتد عن هذا الدَين رغبة عنه وسخطا عليه، وإن وُجد فلا يخلو مِن أحد رجلين:
- إما أن يكونَ لمكيدةٍ يُقصَد بها الصد عن دين الله، كما حصل من بعض اليهود في أول عهد الدعوة حينما تمالأ نفر منهم بأن يؤمنوا أول النهار ثم يكفروا آخره مِن أجل إحداث البلبلة في المؤمنين؛ لأن اليهودَ أهلُ كتاب، فإذا حصل منهم هذا يختلج في بعض النفوس الضعيفة أن هؤلاء اليهود لو لم يتبيَّنوا خطأً في هذا الدِّين الجديد لما رجعوا عنه، فكان مقصدهم الفتنةَ والصدَّ عن دين الله.
- وإما أن يكون هذا المرتد رجلاً يريد أن يُطلق لشهواته العنان، ويتحلَّل من ربقة التكاليف.
الثالث: الخروج عن الإسلام يعتبر خروجًا على النظام العام؛ ذلك أن الإسلام دينٌ كامل، كما يهتم بعلاقة الإنسان بربه فهو يهتم بعلاقته بغيره مِن بني جنسه؛ بين المرء وزوجه، وبينه وبين أقربائه وجيرانه، وفيما بينه وبين أعدائه حربًا وسلمًا في شمولٍ منقطعِ النظير، عبادة ومعاملة، وجناية وقضاءً إلى سائر ما تنقسم إليه قوانينُ الدنيا، بل أوسع من ذلك، وبناءً على هذا فيجب النظر إلى الإسلام ككل متكامل، وليس قاصرًا فقط على علاقة العبد بربه كما يظنه غير المسلمين، وإذا كان ذلك كذلك، فالردة تعني الخروج عن النظام.
الرابع: في جعل العقوبة على الردة إباحة دم المرتد؛ زاجر لمن يريد الدخول في هذا الدِّين مشايعةً ونفاقًا للدولة أو لأهلها، وباعث له على التثبُّت في أمره، فلا يعتنقه إلا على بصيرة وسلطانٍ بيِّن، فالدين تكاليف وشعائر يتعسَّر الاستمرار عليها مِن قِبَل المنافقين وأصحاب المآرب المدخولة.
الخامس: للإنسان قبل أن يؤمن بالإسلام الحق في أن يؤمن أو يكفر، فإذا آثر أيَّ ديانة من الدِّيانات، فلا اعتراضَ عليه، ويبقى له حقُّ الحياة والأمن والعيش بسلام، وإذا آثر الإسلام ودخل فيه وآمن به؛ فعليه أن يُخلص له ويتجاوب معه في أمرِه ونهيِه وسائر هدْيِه في أصوله وفروعِه.
ثم بعد ذلك نقول: هل مِن حرية الرأي أن يمكِّن صاحبها من الخروج على هذا المجتمع ونبذ قواعده ومُشاقَّة أبنائه؟! هل خيانة الوطن أو التجسس لحساب الأعداء من الحرية؟! هل إشاعة الفوضى في جنباته والاستهزاء بشعائره ومقدَّساته من الحرية؟! إن محاولة إقناع المسلمين بقبول هذا الوضع سفَه، ومطالبة المسلمين بتوفير حقِّ الحياة لمن يريد نقض بناء دينهم وتنكيس لوائه شيءٌ عجيب!
ونقول بكل قوة: إن سرقة العقائد والنيل من الأخلاق والمثل أضحتْ حرفة لعصابات وطوائف من دعاة التنصير الكارهين للإسلام وكِتابه ونبيِّه وأتباعه، وما فتئوا يثيرون الفتن وأسبابها في كلِّ ناحية مِن أجل هز كيان المجتمع وقلبه رأسًا على عقب" اهـ .
والنقطة التي يجب أن تكون واضحة: أنه لن يقام حد الردة على أحد حتى يستتاب ويُناقش فيما قاله مِن أقوال، والأمور التي يحكم بكفر قائلها هي الأمور القطعية، ومِن ثَمَّ فلا يُتصور أن يوجد مَن يصمد أمام الحجة عندما تُقام عليه فيها، وأما مَن أراد أن يخرج مِن الإسلام بالكلية؛ فنحن أيضًا واثقون من وضوح الحجة بصدق الإسلام، وأن مِن سعة رحمة الله أن أنظرَ الكفار الأصليين الذين لم يدخلوا في الإسلام أصلاً إلى يوم القيامة، وأما مَن دخل ثم خرج؛ فقد حكم الله بتعجيل العقوبة له بعد استتابته وإقامة الحجة عليه.
ولا ندري: لماذا يشغل البعض نفسه بمن يريد الردة؟!
هل يريد أحد منهم الردة؟!
هل يحبذون الردة لأحدٍ؟!
هل يعرفون مَن طلب الردة وهو سالم مِن الخيانة والعمالة؟!
إذا وُجد أحدٌ مِن هؤلاء؛ فليُعلن عن نفسه حتى يناظره العلماء، لنعرف بذلك القضية هل لها تطبيق أم لا؟!