شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس من "المحنة السلفية الأولى"... السلفيون والدولة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

تمهيد:

مِن المسائل التي تبدو عصية على فهم البعض في "المنهج السلفي" نقاؤه المنهجي الذي يظن مَن يَطـَّلع عليه للوهلة الأولى أن مَن يعتقده فلن يقيم وزنًا لأي شيء آخر، وربما أكَّدت هذه النظرة بعض التصرفات التي ينتسِب أصحابها إلى السلفية.

في حين أن هذا المنهج يتمتع بمرونة عالية جدًّا في شأن التطبيق العملي "إذا تعارض مع ما هو أولى منه" بما يعرف بـ"قضية المصالح والمفاسد"، والتي لا نكون مبالغين إذا قلنا: "إنها القاعدة الأم في باب السياسة الشرعية".

ومِن ذلك: موقف السلفيين من دولهم، وحرصهم على استقرارها؛ رغم أن الأمر ومنذ انتهاء الخلافة الراشدة لا يخلو مِن مخالفاتٍ ازداد منحناها في الجملة إلا في فترات نادرة من التاريخ، والتي سار فيها المنحنى في اتجاه آخر حتى كان قمة هذا التباين بينهم وبين الدولة العثمانية؛ ومع هذا كانوا هم مَن بقي مدافعًا عنها "وهي تحاربهم!" حتى سقطت بسبب ما أنكره عليها السلفيون مِن بدع وانحرافات!

ثم كانت الدولة الحديثة فازدادت الغربة وتعمقت، ومع هذا بقي ميزان "المصلحة والمفسدة" حاكمًا لموقف السلفيين من دولهم، ولعل التجربة الأهم في هذا هو ما يمكن أن نطلق عليه: "المحنة السلفية الأولى".

كما أن هناك مِن الجماعات مَن يعدد محنه مع الأنظمة في العصر الحديث، ولأن "السلفية" أسبق؛ فقد كانت محنتها أسبق أيضًا، وأرست فيها قواعد بقيت نبراسًا في كل الفتن التي تلتها؛ حتى وإن كانت لا تماثلها في الشدة.

وأعني بتلك المحنة السلفية الأولى "محنة الإمام أحمد" -رحمه الله-؛ إذ هي السابقة الأولى في تاريخ الإسلام التي تتبنى فيها الدولة وأجهزتها مذهبا مخالفًا لأهل السنة، بل وتمتحن العلماء والعامة في هذا المذهب ثم تمارس تمييزًا وإقصاءً ضد كل مَن تمسَّك بالسُّنة، وتعذب وتؤذي رموز السنة؛ أملاً منها في اقتلاع ذلك المذهب الذي يستند إلى أصول راسخة، وقواعد شعبية رأى الخليفة "المأمون" أنه لا بد مِن إجبارهم على المذهب الفلسفي المعتزلي الذي أوقع فيه نفسه.

ويمكننا أن نلخِّص أهم معالم منهج الإمام "أحمد" -رحمه الله- في هذه المسألة:

1- تبني الدولة لمذهب باطل لا يجعله حقـًّا؛ وهو يعطي الرخصة لآحاد الناس في المداراة متى أُكرِه على هذا، ولكن العلماء عليهم بيان الحق.

2- عدم التشوف إلى تكفير المخالِف لا سيما مِن الحكام "وإن آذى وظلم"؛ لما في ذلك مِن مراعاة لحق "لا إله إلا الله"، وتطبيقًا للقواعد الشرعية في العذر بالتأويل.

3- عدم الدعوة إلى إسقاط الدولة بزعم ظلمها، بل نهى مَن أراد ذلك عنه.

4- عدم ترك الدعوة إلى الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

5- وجوب مراعاة المصالح والمفاسد أيضًا حال تلك الدعوة، ومنه استعمال الرفق في خطاب الحكام أكثر مِن غيرهم دون إخلال بأصل قضية بيان الحق.

وإليك عرض للقصة، ثم بيان للمواطن التي يُستفاد منها هذه الدروس:

القصة مشهورة معلومة، وقد وجدتُ ملخصًا جيدًا لها على بعض المواقع فزدته اختصارًا؛ لتعبِّر لنا وبما يسمح به حجم المقالة عن قصة هذه المحنة الأولى، وهي في فصول:

الفصل الأول: أصل المحنة:

كان المسلمون أمة واحدة، وعقيدتهم صحيحة وصافية مِن معين النبوة، حتى وقعت الفتنة الكبرى وقتل عثمان -رضي الله عنه- مظلومًا شهيدًا؛ فتفرقت الكلمة، وظهرت الشرور، وتمت وقعة "الجمل" ثم "صفين" وبدأت البدع في الظهور، وحدث أول انحراف في تاريخ العقيدة الإسلامية بظهور فرقة "الخوارج" التي كفـَّرت الصحابة خير الناس، ثم أخذت زاوية الانحراف في الانفراج؛ فظهرت فرقة "الروافض"، وكلما ظهرت فرقة مبتدعة ظهرت في المقابل لها وعلى النقيض منها فرقة أخرى؛ الأولى تغالي والأخرى تعادي، فكما ظهرت فرقة "الخوارج" ظهرت فرقة "المرجئة" التي أخَّرت العمل وقالت: "إن الإيمان هو مجرد التصديق فقط"؛ فجعلت إيمان أفجر الخلق كإيمان أتقاهم!

وكما ظهرت فرقة "الروافض" ظهرت قرقة "النواصب"، وكما ظهرت فرقة "القدرية" نفاة القدر؛ ظهرت فرقة "الجبرية" التي تنفي أي اختيار وإرادة للإنسان، وكما ظهرت فرقة "المعتزلة والجهمية" نفاة الصفات؛ ظهرت فرقة المجسمة الذين يشبهون صفات الخالق بالمخلوق! ولكن كل هذه الفرق الضالة كانت "مقهورة" بسيف الشرع، وقوة السنة، وسلطان الدولة الأموية ثم العباسية، وقد ظل المبتدعون في "جحر ضب" مختفين بضلالهم، لا يرفع أحد منهم رأسًا ببدعة أو بضلالة حتى ولي "المأمون" العباسي، وكان محبًا للعلوم العقلية وكلام الفلاسفة الأوائل.

فبنى دارًا لترجمة كتب فلاسفة اليونان وأسماها: "بيت الحكمة!"؛ فأخذت أفاعي البدع تخرج مِن جحورها، وأخذت في التسلل بنعومة إلى بلاط "المأمون"، ثم التفت حول عقله ولعبت به، ونفثت سموم الاعتزال في رأسه، ونفق عليه رجال من عينة "بشر المريسي"، و"أحمد بن أبي دؤاد" رأس الفتنة ومسعرها، وغيرهما؛ حتى مال "المأمون" لقولهم، واعتنق مذهب الاعتزال الذي يقوم على عدة أصول مِن أقبحها: "نفي صفات الله وتعطيلها!"، وأبرز معالم نفي الصفات القول بأن "القرآن مخلوق!".

وظل "المأمون" معتنقًا لهذه العقيدة الضالة، ولا يجبر أحدًا على اعتناقها، ويتردد ويراقب الشيوخ والعلماء والمحدثين وهو يخشى مكانتهم وتأثيرهم على جماهير المسلمين، وفي نفس الوقت يحاول استمالة مَن يقدر على استمالته منهم، فلما رأى إعراض العلماء عن القول ببدعته زيَّن له "أحمد بن أبي دؤاد" أن يجبر العلماء؛ وذلك بقوة الدولة، وحد التهديد والوعيد، وبالفعل في سنة 218هـ أمر "المأمون" قائد شرطة بغداد أن يجمع كبار الفقهاء والعلماء والمحدثين ويمتحنهم في القول بخلق القرآن، وقرأ عليهم كتاب "المأمون" الذي يفيض بالتهديد والوعيد، وقطع الأرزاق، والعزل مِن المناصب لمن يرفض القول بـ"خلق القرآن"؛ ومِن يومها بدأت فصول المحنة العظمى التي تحمَّل الإمام "أحمد بن حنبل" -رحمه الله- وحده عبئها، والوقوف في وجه أربابها ودعاتها.

الفصل الثاني: الإمام "أحمد" و"المأمون" العباسي:

الصفحة التالية