دروس من "المحنة السلفية الأولى"... السلفيون والدولة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
حُمِلَ الإمام "أحمد" ومَن معه مِن العلماء إلى دار السلطان، وأخذ "إسحاق بن إبراهيم" قائد الشرطة في امتحانهم، ومع جدية التهديد أخذ العلماء الواحد تلو الآخر يجيب بالقول بخلق القرآن؛ فلما رأى "أحمد بن حنبل" الناس يجيبون؛ غضب لله -عز وجل- وجهر بالحق، وبعد أول يوم لامتحان العلماء عاد الإمام "أحمد بن حنبل" إلى مسجده، وقعد للدرس والتحديث؛ فالتف حوله الناس، وسألوه عما جرى، وألحوا في معرفة مَن أجاب مِن العلماء في هذه المحنة، فرفض بشدة، وكره الإجابة على هذا السؤال، ولكن الأمر قد انتشر بسرعة بين الناس، وعُرف مَن أجاب ممن رفض.
ووصلت أخبار الامتحان للخليفة "المأمون"، وكان وقتها مقيمًا بطرسوس على الحدود مع الدولة البيزنطية؛ فتغيظ بشدة ممن رفض القول بخلق القرآن، وطلب مَن قائد شرطته "إسحاق بن إبراهيم" أن يجمع العلماء مرة أخرى ويمتحنهم، ويشتد في التهديد والوعيد، وبالفعل اشتد "إسحاق" في التهديد حتى أجاب كل العلماء ما عدا أربعة: "أحمد بن حنبل"، و"محمد بن نوح"، و"القواريري"، و"سجَّادة"؛ فقام "إسحاق" بحبسهم وتهديدهم بالضرب والحبس، فأجاب "سجَّادة"، و"القواريري"؛ فخرجا من السجن، وبقي "أحمد بن حنبل" و"محمد بن نوح"؛ فأرسل بخبرهما "إسحاق" إلى الخليفة "المأمون" الذي استشاط غضبًا، وأمر بحملهما مقيدين زميلين إلى طرسوس، وقد أقسم ليقتلنهما بيده إذا لم يجيبا في هذه الفتنة، بل أشهر سيفًا ووضعه بجانبه استعدادًا لقتلهما إذا أصرا على الرفض.
حُمِل "أحمد بن حنبل" و"محمد بن نوح" مِن بغداد إلى طرسوس، وفي الطريق وقعت عدة حوادث كان لها أثر كبير في تثبيت الإمام "أحمد" ورفيقه، ودللت أيضًا على أن الناس كانت كلها وراء الإمام وتؤيده وإن كانت لا تملك له شيئًا، فقد قابله بالرحبة -موضع على شاطئ الفرات على بعد مائة فرسخ من بغداد- رجل من عامة المسلمين يعمل في غزل الصوف والشعر، قد جاء لمقابلته خصيصًا من بادية العراق ليقول له: "يا أحمد، إن يقتلك الحق متَّ شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا، وما عليك أن تقتل ها هنا وتدخل الجنة"؛ فقوى قلب الإمام "أحمد" بهذه الكلمات.
ثم بعد فترة استراح الركب في خانٍ بالطريق للمسافرين، وفي الخان قابل الإمام "أحمد" أحد أصدقائه القدامى واسمه "أبو جعفر الأنباري"، والذي عبَر الفرات للقاء الإمام "أحمد" قبل سفره إلى طرسوس، فلما رآه الإمام "أحمد" قال له: "يا أبا جعفر، تعنيت -أي: كلفت نفسك مشقة السفر وعبور الفرات-".
فقال له "أبو جعفر": "يا هذا، أنتَ اليوم رأس، والناس يقتدون بك؛ فوالله لئن أجبتَ إلى خلق القرآن ليجيبن خلقٌ، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلقٌ مِن الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لا بد من الموت؛ فاتقِ الله ولا تجب".
فجعل الإمام "أحمد" يبكي ويقول: "ما شاء الله"، ثم قال: "يا أبا جعفر، أعد عليَّ"، فأعاد عليه، و"أحمد" يبكي ويقول: "ما شاء الله!".
وفي طريق السفر كان الإمام "أحمد" يتهجد ويصلي في جوف الليل، ويدعو الله -عز وجل- ألا يرى "المأمون" وألا يجتمع معه أبدًا، ويلح في الدعاء، وفي رجب سنة 218هـ وقبل أن يصل الإمام "أحمد" ورفيقه "محمد بن نوح" إلى طرسوس هلك "المأمون" فجأة بلا مرض ولا تعب، فراح ضحية سهم من سهام الليل من قوس مظلوم بوتر مكلوم هو دعاء الإمام "أحمد" عليه!
الفصل الثالث: الإمام "أحمد" و"المعتصم" العباسي:
هذا الفصل هو الأشد والأروع في فصول هذه المحنة العظمى، وتجلى فيه صمود الإمام "أحمد" حيث أصبح وحده في الميدان بعد أن مات "محمد بن نوح" تحت وطأة الحبس والتنكيل، ورغم أن الخليفة "المعتصم" لم يكن مِن أهل الفكرة ولا يعتقدها في الأساس، ولكنه خاض في الفتنة وانغمر فيها؛ لأن أخاه "المأمون" قد أوصاه بذلك، فحمله حبه لأخيه "المأمون" لأن يعمل بوصيته، بل يزيد عليها، فكان أول قرار أخذه "المعتصم" هو رد الإمام "أحمد" إلى بغداد وسجنه هناك في سجن ضيق مظلم، والقيود في يديه ورجليه حتى إنه أصيب بمرض شديد في شهر رمضان، فنقلوه إلى سجن أوسع مع عموم الناس، ومكث في هذا السجن ثلاثين شهرًا!
وفي السجن أخذ رجال الاعتزال ورؤوس الفتنة يأتونه واحدًا تلو الآخر ليناظروه في خلق القرآن، وهو يناظرهم وتعلو حجته حججَهم، وكلما غلبهم في المناظرة اشتدوا عليه وضيقوا عليه، وزادوا في قيوده، وبعد عدة أيام وكانوا في شهر رمضان بدأت فصول المناظرة العلنية بحضور الخليفة "المعتصم" نفسه.
ولنا أن نتخيل هذا المشهد "المهول" الذي حضره الإمام "أحمد" وحده، وكان في مجلس الخليفة "المعتصم"، وفيه كل رجال البدعة والوزراء، والقادة، والحجَّاب، والسيافون، والجلادون، وكان الذي بدأ معه الكلام هو "المعتصم" نفسه، وقد حاول استمالته وترغيبه في أول الأمر، ثم أمر علماء البدعة بمناظرته، فهزمهم الإمام كلهم، وهو يحتج عليهم بالآيات والأحاديث والآثار، وهم يحتجون بكلام الفلاسفة، مثل: العرض، والجوهر، والشيء، والوجود، والقدم؛ لذلك فقد علت حجتُه حجتَهم، والإمام يقول: "أعطوني شيئًا مِن كتاب الله وسنة رسوله"، وكان قائد الشرطة عبد الرحمن بن إسحاق -وهو بالمناسبة ابن إسحاق بن إبراهيم القائد السابق- ممن يدافع عن الإمام أحمد، ويقول للخليفة المعتصم: "يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة، وإنه ليرى طاعتك والحج والجهاد معك، وإنه لعالم، وإنه لفقيه"، ولكن في المقابل كان "أحمد بن أبي دؤاد" أشد الناس عليه، ويحرض "المعتصم" عليه بشدة ليقتله ويقسِم له أنه ضال وكافر ومبتدع!