شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس من "المحنة السلفية الأولى"... السلفيون والدولة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

- قال أبو العباس الرقي -وكان من حفاظ أهل الحديث-: "إنهم دخلوا على أحمد بالرقة وهو محبوس، فجعلوا يذكرونه ما يروى في التقية مِن الأحاديث، فقال أحمد: فكيف تصنعون بحديث خباب: ( قَدْ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ بِنِصْفَيْنِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ) (رواه أحمد والبخاري) ، قال: فيئسنا منه!".

- قال المروذي في محنة أحمد بن حنبل -وهو بين الهنبازين-: "يا أستاذ، قال الله -تعالى-: ( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) (النساء:29) .

فقال أحمد: يا مروذي، اخرج انظر أي شيء ترى؟!

قال: فخرجت إلى رحبة دار الخلافة، فرأيت خلقًا من الناس، لا يحصي عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم.

فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟!

قالوا: ننظر ما يقول أحمد، فنكتبه.

فقال المروذي: مكانكم.

فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهنبازين، فقال: لقد رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام؛ ينتظرون ما تقول فيكتبونه.

فقال: يا مروذي، أضل هؤلاء كلهم؟! أقتل نفسي وألا أضل هؤلاء".

2- عدم التشوف إلى تكفير المخالف لا سيما من الحكام "وإن آذى وظلم"؛ لما في ذلك مراعاة لحق "لا إله إلا الله"، وتطبيقًا للقواعد الشرعية في العذر بالتأويل: وهي مسألة واضحة مِن سلوك الإمام مع مَن امتحنوه، ومع هذا فقد نقل عنه في هذه المسألة أقوال آخر، من المفيد أن نتعرف على توجيه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لها.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

"فإن الإمام أحمد -مثلاً- قد باشر "الجهمية"‏ الذين دعوه إلى خلق القرآن، ونفي الصفات، وامتحنوه وسائر علماء وقته، وفتنوا الؤمنين والمؤمنات -الذين لم يوافقوهم علي التجهم- بالضرب والحبس والقتل، والعزل على الولايات وقطع الأرزاق، ورد الشهادة، وترك تخليصهم من أيدي العدو؛ بحيث كان كثير من أولي الأمر إذ ذاك من الجهمية من الولاة والقضاة وغيرهم يكفرون كل مَن لم يكن جهميًا موافقًا لهم على نفي الصفات، مثل القول بخلق القرآن! يحكمون فيه بحكمهم في الكافر، فلا يولونه ولاية، ولا يفتدونه من عدو، ولا يعطونه شيئًا مِن بيت المال، ولا يقبلون له شهادة، ولا فتيا ولا رواية،‏ ويمتحنون الناس عند الولاية والشهادة، والافتكاك من الأسر وغير ذلك‏؛ فمن أقر بخلق القرآن حكموا له بالإيمان، ومَن لم يقر به لم يحكموا له بحكم أهل الإيمان، ومن كان داعيًا إلى غير التجهم قتلوه أو ضربوه وحبسوه!‏

ومعلوم أن هذا من أغلظ التجهم؛ فإن الدعاء إلى المقالة أعظم من قولها، وإثابة قائلها وعقوبة تاركها أعظم مِن مجرد الدعاء إليها، والعقوبة بالقتل لقائلها أعظم من العقوبة بالضرب‏.‏

ثم إن الإمام أحمد دعا للخليفة وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم؛ فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومِن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يكفِّروا المعينين من الجهمية الذين كانوا يقولون‏:‏ "القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى في الآخرة"‏.‏

وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه كفـَّر به قومًا معينين، فأما أن يذكر عنه في المسألة روايتان، ففيه نظر أو يحمل الأمر على التفصيل، فيقال‏:‏ مَن كفر بعينه؛ فلقيام الدليل على أنه وجدت فيه شروط التكفير، وانتفت موانعه، ومَن لم يكفره بعينه فلانتفاء ذلك في حقه، هذا مع إطلاق قوله بالتكفير على سبيل العموم‏‏" (انتهى كلام شيخ الإسلام) .

ومما يُروى مِن روائع شفقة الإمام بمعذبيه:

قال أبو علي الحسين بن عبد الله الخرقي -وقد رأى أحمد بن حنبل- قال: "بت مع أحمد بن حنبل ليلة، فلم أره ينام إلا يبكي، إلى أن أصبح، فقلت: يا أبا عبد الله، كثر بكاؤك الليلة، فما السبب؟!

قال: ذكرتُ ضرب المعتصم إياي، ومر بي في الدرس ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) (الشورى:40) ، فسجدتُ، وأحللته من ضربي، في السجود!".

3- عدم الدعوة إلى إسقاط الدولة بزعم ظلمها، بل نَهى مَن أراد ذلك عنه: قال حنبل: "فلما أظهر الواثق هذه المقالة، وضرب عليها وحبس، جاء نفر إلى أبي عبد الله من فقهاء أهل بغداد، فيهم: بكر بن عبد الله، وإبراهيم بن علي المطبخي، وفضل بن عاصم، وغيرهم، فأتوا أبا عبد الله، وسألوا أن يدخلوا عليه، فاستأذنت لهم، فأذن لهم، فدخلوا عليه.

فقالوا له: يا أبا عبد الله، هيا؛ إن الأمر فشا وتفاقم، وهذا الرجل يفعل ويفعل، وقد أظهر ما أظهر، ونحن نخافه على أكثر مِن هذا! وذكروا له أن ابن أبي دؤاد مضى على أن يأمر بالمعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن: القرآن كذا، وكذا...

فقال لهم أبو عبد الله: وماذا تريدون؟!

قالوا: أتيناك نشاورك فيما نريد.

قال: فما تريدون؟!

قالوا: لا نرضى بإمرته ولا بسلطانه.

فناظرهم أبو عبد الله ساعة، حتى قال لهم "وأنا حاضرهم": أرأيتم إن لم يتم لكم هذا الأمر، أليس قد صرتم من ذلك إلى المكروه؟! عليكم بالنكرة بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ولا دماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، ولا تعجلوا، واصبروا حتى يستريح برٌّ، ويُستراح مِن فاجر.

ودار بينهم في ذلك كلام كثير لم أحفظه، واحتج عليهم أبو عبد الله بهذا.

فقال له بعضهم: إنا نخاف على أولادنا إذا ظهر هذا لم يعرفوا غيره، ويمحى الإسلام ويدرس!

فقال أبو عبد الله: كلا، إن الله -عز وجل- ناصر دينه، وإن هذا الأمر له رب ينصره، وإن الإسلام عزيز منيع.

فخرجوا مِن عند أبي عبد الله، ولم يجبهم إلى شيء مما عزموا عليه أكثر من النهي عن ذلك، والاحتجاج عليهم بالسمع والطاعة، حتى يفرج الله عن الأمة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية