دروس من "المحنة السلفية الأولى"... السلفيون والدولة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
فلم يقبلوا منه، فلما خرجوا، قال لي بعضهم: امض معنا إلى منزل فلان -رجل سموه- حتى نوعده لأمر نريده، فذكرت ذلك لأبي عبد الله، فقال لي أبي: لا تذهب، واعتل عليهم؛ لا آمن أن يغمسوك معهم؛ فيكون لأبي عبد الله في ذلك ذكر، فاعتللت عليهم، ولم أمضِ معهم، فلما انصرفوا، دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله، فقال أبو عبد الله لأبي: يا أبا يوسف: هؤلاء قوم قد أشربت قلوبهم ما يخرج منها فيما أحسب، فنسأل الله السلامة، ما لنا ولهذه الأمة، وما أحب لأحد أن يفعل هذا.
فقلت له: يا أبا عبد الله، وهذا عندك صواب؟!
قال: لا، هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر.
ثم قال أبو عبد الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن وليت أمره فاصبر. وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: كذا، وذكر أبو عبد الله كلامًا لم أحفظه.
قال أبو علي حنبل: بل، فمضى القوم، فكان من أمرهم أنهم لم يُحمَدوا، ولم ينالوا ما أرادوا، اختفوا من السلطان، وهربوا، وأُخِذ بعضهم فحبس، ومات في الحبس!".
4- عدم ترك الدعوة إلى الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلاً: ومِن اللطائف التي تروى في ذلك قصة تتلمذ الإمام "بقي بن مخلدٍ" -رحمه الله- على يد الامام "أحمد" -رحمه الله- وهو محدد الإقامة.
قال الذهبي -رحمه الله-: "ورحل الإمام بقي بن مخلد -رحمه الله- على قدميه من الأندلس إلى بغداد لأجل ملاقاة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- وطلب العلم على يديه، قال بقيٌ: فلما اقتربت من بغداد وصل إليَّ خبر محنة الإمام أحمد وعلمت أنه ممنوع من الاجتماع بالناس وتدريسهم؛ فاغتممت لذلك كثيرًا، فلما وصلت إلى بغداد وضعت متاعي في غرفةٍ ثم خرجت أبحث عن منزل أحمد بن حنبل فدُللت عليه فطرقت الباب ففتح لي الباب الإمام أحمد نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله، رجل غريب الدار وطالبُ حديث ومقيد سُنة، ولم تكن رحلتي إلا إليك؛ فقال لي: ادخل ولا يراك أحد، فسألني وقال: أنا ممتَحنٌ وممنوع من التدريس والتعليم، فقلت له: أنا رجلٌ غريب فإن أذنت لي آتيك كل يوم في لباس الفقراء والشحاذين وأقف عند دارك وأسأل الصدقة والمساعدة فتخرج إليَّ وتحدثني ولو بحديث واحد، فقال بقي: فكنت آتي كل يوم فأقف على الباب وأقول: الأجر رحمكم الله، فكان أحمد يخرج إليَّ ويُدخلني الممر ويحدثني بالحديثين والثلاثة وأكثر حتى اجتمع لي قُرابة ثلاثمائة حديث، ثم إن الله رفع الكربة عن الإمام أحمد وانتشر ذكره، فكنتُ إذا أتيت الإمام أحمد بعد ذلك وهو في حلقته الكبيرة وحوله طلاب العلم كان يُفسح لي مكانًا ويقربني منه، ويقول لأصحاب الحديث: هذا يقع عليه اسم طالب العلم".
5- وجوب مراعاة المصالح والمفاسد أيضًا حال تلك الدعوة، ومنه استعمال الرفق في خطاب الحكام أكثر من غيرهم دون إخلال بأصل قضية بيان الحق: ومما يروى في ذلك: قال حنبل: "فلما مات المعتصم، وولي ابنه هارون الواثق، أكثر الناس من الأخذ عن الإمام أحمد؛ فشق ذلك على أهل البدع، فكتب الحسن بن علي بن الجعد قاضي بغداد إلى ابن أبي دؤاد أن أحمد قد انبسط في الحديث، فلما بلغ أبا عبد الله، أمسك عن التحديث من نفسه، من غير أن يُمنع".
ومما يروى في اللين مع السلطان أكثر من غيره: قال صالح بن أحمد: "سمعت أبي يقول: لما أدخلت على المعتصم، قال لي: ادنه، ادنه. فمكثت قليلاً، ثم قلت: تأذن لي في الكلام. فقال: تكلم... ". وقال حنبل: "قال أبو عبد الله: وكان إذا كلمني ابن أبي دؤاد لم أجبه، ولم ألتفت إلى كلامه، وإذا كلمني أبو إسحاق؛ ألنت له القول والكلام".
خاتمة:
وبعد عرض هذا السلوك الراقي والفقه العظيم لـ"إمام أهل السنة" في قيامه بالحق، ومراعاته للمصالح والمفاسد في ذات الوقت، وابتعاده عن الهوى في تكفير المخالفين، بل وصل الأمر إلى الدعاء لهم في الصلاة بالعفو والمغفرة "وفي مراعاة حال مصلحة عموم الخلق في استقرار دولهم وإن كان فيها بدعة وظلم" - قد يُطرح سؤال حول مدى انطباق هذا الفقه على حال المسلمين في "الدولة الحديثة" التي قامت على أسس مخالفة لما قامت عليه "الدولة العباسية" التي تعرضنا لتجربة الإمام "أحمد بن حنبل" معها؟
وهذا ما سنفرد له مقالة أخرى -بإذن الله تعالى-.