تيسير الزواج مِن هدي خير الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- (2) استدلالات على المغالاة في المهور ومؤن الزواج وجوابها
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • شبابنا
استدلالات على المغالاة في المهور ومؤن الزواج وجوابها
الحمد
لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن مما يؤسف له أن صار كثير مِن الأولياء يبالغون في أمور المعاش ولا يُيسِّرون
فيها، بل يضع كثيرٌ مِن الأولياء العقبات أمام الخاطب وطالِب
الزواج حتى صار بعضهم يشترط عملاً مضمونًا ودخلاً يزيد على النفقة بالمعروف لضمان
الظروف وتقلب الأحوال!
ولا ندري مِن أين يتوافر لكل الشباب "هذا العمل المضمون" الذي
يطمئن به مثل هؤلاء الأولياء؟! بل ويشترطون حتى في تحسين الدخل أن يكون كذلك عملاً
ثابتًا مضمونًا بزعمهم! والله -عز وجل- هو القائل: ( وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ
وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ
وَاسِعٌ عَلِيمٌ )؛ فوعد بالرزق على الزواج.
قال القرطبي -رحمه الله-: "قَوْلُهُ تَعَالَى: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ )
رَجَعَ الْكَلامُ إِلَى الأَحْرَارِ، أَيْ لا تَمْتَنِعُوا عَنِ التَّزْوِيجِ
بِسَبَبِ فَقْرِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ. ( إِنْ
يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ): هَذَا وَعْدٌ
بِالْغِنَى لِلْمُتَزَوِّجِينَ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ وَاعْتِصَامًا مِنْ
مَعَاصِيهِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْتَمِسُوا الْغِنَى فِي النِّكَاحِ،
وَتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: عَجَبِي مِمَّنْ
لا يَطْلُبُ الْغِنَى فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ )...
وَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى تَزْوِيجِ الْفَقِيرِ، وَلا يَقُولُ كَيْفَ أَتَزَوَّجُ
وَلَيْسَ لِي مَالٌ، فَإِنَّ رِزْقَهُ عَلَى اللَّهِ، وَقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ -صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَرْأَةَ الَّتِي أَتَتْهُ تَهَبُ لَهُ نَفْسَهَا لِمَنْ
لَيْسَ لَهُ إِلا إِزَارٌ وَاحِدٌ" (تفسير القرطبي بتصرف يسير) .
- فالزواج مجلبة للرزق، وقد قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ
مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) (الطلاق:2-3) ، وقال: ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) (الذاريات:22) ،
وقد قرن الله -تعالى- الرزق بالخلق فقال: ( خَلَقَكُمْ ثُمَّ
رَزَقَكُمْ ) (الروم:40) ،
فدلَّ أن الرزق مِن الله لا مِن الخلق؛ ثم لم يكتفِ -عز وجل- بالدلالة حتى وعد فقال:
( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ) (الذاريات:58) ،
ثم لم يكتفِ -سبحانه- بالوعد حتى ضمِن فقال: ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ
فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) (هود:6) ،
ثم لم يكتفِ بالضمان حتى أقسم -سبحانه- فقال: ( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ) (الذاريات:23) .
وقد
يستدل البعض على قضية المغالاة في مطالب الزواج ومؤنه مِن المهر وغيره ببعض قضايا
الأعيان التي ينبغي ألا تـُجعَل هي الأصل وتُقدَّم على ما أمر به النبي -صلى الله
عليه وسلم- مِن التيسير في أمر الزواج كما مضى ذكره في الجزء الأول مِن هذا المقال.
ومِن تلك الاستدلالات:
- الاستدلال على المغالاة في المهور ونفقات الزواج بقول الله -تعالى-: ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ
إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا
وَإِثْمًا مُبِينًا ) (النساء:20) . "والقنطار: المال الكثير".
والآية
إنما تدل على جواز أن يكون المهر كبيرًا إذا تيسر ذلك للزوج وكان في قدرته، لا أن الأصل
هو المغالاة في نفقات الزواج ومؤنه، فقد مرَّت معنا أحاديث النبي -صلى الله عليه
وسلم- الآمرة بتيسير الزواج والتخفيف فيه، فهذا على حسب يسار الزوج وقدرته، بل إن
الزوج نفسه إذا تكلف مِن النفقات والأعباء ما لا يقدر عليه ولا يتناسب مع حاله
استحق الإنكار عليه؛ لأنه يكون قد فعل حينئذٍ أمرًا مكروهًا ولو كان ذلك الصداق
دون صداق النبي -صلى الله عليه وسلم- ما دام لا يطيقه، فعن أبي هريرة -رضي الله
عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-،
فَقَالَ : إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ
النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( هَلْ
نَظَرْتَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي عُيُونِ الأَنْصَارِ شَيْئًا؟ ) قَالَ:
قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا. قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى
أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ
مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ! مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ
نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ ). قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى
بَنِي عَبْسٍ بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ. (رواه مسلم) . قال النووي
في شرحه لهذا الحديث: "معنى هذا الكلام كراهة إكثار المهر بالنسبة إلى حال
الزوج" اهـ .
وقال القرطبي -رحمه
الله-:
"هو إنكار بالنسبة إلى هذا الرجل، فإنه كان فقيرًا في تلك الحالة، وأدخل نفسه
في مشقة تعرض للسؤال بسببها، ولهذا قال: " مَا
عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ " ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- لكرم أخلاقه، جبر انكسار
قلبه بقوله: " وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي
بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ" فبعثه" اهـ .
-
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ
-رضي الله عنه- أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَفْتِيهِ فِي مَهْرِ
امْرَأَةٍ، فَقَالَ: ( كَمْ أَمْهَرْتَهَا؟ ) قَالَ:
مِئَتَيْ دِرْهَمٍ, فَقَالَ: ( لَوْ كُنْتُمْ تَغْرِفُونَ مِنْ
بَطَحَانَ مَا زِدْتُمْ ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني) .