تيسير الزواج مِن هدي خير الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- (2) استدلالات على المغالاة في المهور ومؤن الزواج وجوابها
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • شبابنا
- الاستدلال بما أمهر النبي -صلى الله عليه وسلم- به نساءه على المغالاة في
المهور ونفقات الزواج: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَتْ: "كَانَ
صَدَاقُهُ لأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا"، قَالَتْ: "أَتَدْرِي
مَا النَّشُّ؟"، قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَتْ: "نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ
خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لأَزْوَاجِهِ" (رواه
مسلم) .
والأوقية:
40 درهمًا، أي أن الثنتي عشرة أوقية تساوي 480 درهمًا + 20 درهمًا -النش-= 500
درهم مِن الفضة، ووزن الدرهم بالجرامات: 2.975 جرامًا. فيكون مهر أزواج الرسول -صلى
الله عليه وسلم- = 500 × 2.975 = 1487.5 جرامًا مِن الفضة ،
تضرب في سعر جرام الفضة اليوم.
والزيادة على
هذا القدر لا تنبغي، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فمن
دعته نفسه إلى أن يزيد صداق ابنته على صداق بنات رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهن أفضل نساء العالمين في كل صفة؛ فهو جاهل
أحمق، وكذلك صداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليسار؛ فأما الفقير ونحوه فلا
ينبغي له أن يصدق المرأة إلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة" (مجموع الفتاوى) .
فليس
هناك ما يدل على التزام مثل مهر النبي -صلى الله عليه وسلم- وصداقه، وأن المهر
ينبغي ألا يقل عن هذا؛ بل هو نفسه -صلى الله عليه وسلم- الذي أمر بتيسير النكاح
والإعانة عليه.
فدل ذلك على أن
الصداق ليس مقصودًا لذاته في الإسلام؛ قال ابن القيم -رحمه الله- بعد أن ذكر بعض
الأحاديث الدالة على تخفيف المهر وأنه لا حد لأقله:
"فتضمنت هذه الأحاديث أن الصداق لا يتقدر أقله... وأن المغالاة في المهر
مكروهة في النكاح، وأنها مِن قلة بركته وعسره" (زاد المعاد) .
- الاستدلال
بقصة زواج موسى -عليه السلام-: ( قَالَ
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي
ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ
عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (القصص:27) .
وهذه القصة لا تدل على المغالاة في نفقات الزواج مِن المهر والمؤن ونحوه؛
فغاية ما تدل عليه هذه أنه يجوز أن يشترط الولي لنفسه شيئًا عند تزويج ابنته، كما
هو مذهب الحنابلة ، وهذا الجواز لا يعني إهدار السنة النبوية الآمرة بتيسير
المهور وتجنب المغالاة في الزواج ونفقاته، فسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- هي
الأصل في هذا الباب، ولا تُعارَض بواقعة عين حصلتْ في شرائع الأنبياء الماضية.
وبقيتْ
معنا -إن شاء الله- رسائل إلى الآباء والأولياء والأمهات والشباب والفتيات.