تصريحات "الزند" وصيانة مقام النبوة... (ما بعد الإقالة)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد
لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
1-
فعندما وقعت التصريحات غير اللائقة مِن المستشار "أحمد الزند" في حق النبي
-صلى الله عليه وسلم-؛ انطلقتْ مواقعُ التواصل الاجتماعي كالعادة تسابـِق الزمن، وتقرر
الأحكام وتنزل الفتاوى، وكعادتنا نحتاج بعض الوقت لمعرفة الحدث ومراجعة الأحكام
الشرعية المتعلقة به، ومناصحة أطرافه نصيحة مباشرة ما وُجد إلى ذلك سبيلاً؛ وبالتالي:
فالطبيعي أن تكون ردود أفعالنا متأخرة عن ردود فعل التواصل الاجتماعي، بل والطبيعي
أن يكون جزء كبير مِن ردود الفعل متعلقـًا بتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح مِن هذه
المواقف.
2-
كما كان رد المستشار "الزند" بإعلان التوبة والاعتذار، ولا أعني به قوله:
"أستغفر الله العظيم" في تصريحه الأصلي، وقد بيَّنتُ في المقالة السابقة
أن هذا القدر لم يكن كافيًا حيث كان يجب الإقلاع والبراءة والندم على الكلمة، ولكن
أعني المداخلات التي أعلن فيها البراءة والندم على ما قال.
ولولا اشتعال "مواقع التواصل" لكان مِن الممكن أن نعتبر أن
المقصود قد حصل مِن إنكار المنكر على فاعله "سواء ما تم مباشرة أو ما قام به
الكثيرون عبْر مواقع التواصل الاجتماعي"، ومِن توبة صاحبه منه وبراءته منه
على الملأ؛ إلا أن الخلاف في المسألة احتاج إلى بيان.
3-
كان هناك مَن يوصِّف كلام "الزند" بأنه سبٌّ "للنبي" -صلى
الله عليه وسلم- أو لـ"مقام النبوة" ثم يتبنى القول بعدم قبول توبته ويتمسك
بهذا، وعلى النقيض كان هناك مَن يوصِّف الكلمة بسبق اللسان المحض! ولا يتعرض
لكونها ناشئة مِن الإخلال بالأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنها بهذا
جرمٌ عظيم في حقه -صلى الله عليه وسلم-، وإن لم يبلغ حدَّ السب، وهو ما يستوجب على
صاحبه التوبة والاعتذار، وقد كان -فيما نرى-.
ومِن هنا جاء تعليق فضيلة الشيخ "ياسر برهامي"، وجاءت مقالتي التي
كتبتُها على عجالة تحت عنوان: "تصريحات الزند... وصيانة مقام النبوة"، ثم
بعد نشر هذا بساعاتٍ جاء خبر إقالة المستشار "الزند"، وكالعادة
"كـَذب الكاذبون".
- فمنهم: مَن ادَّعى أن هذه التعليقات كُتبتْ
بعد إقالته! مع أن ساعة نشرها موجودة على مواقع نشرها، ومع أن إعدادها للنشر يتطلب
وقتًا قبْلها.
- ومنهم: من ادَّعى أن ثمة تصريحات أخرى أكثر
حدة قد خرجتْ بعد الإقالة، وهذا كذب.
- ومنهم: مَن استنكر على هذه التعليقات أمورًا؛
إما شرعية، وإما سياسية.
وأبرز هذه الانتقادات كانت:
أ-
استنكار عدم توصيف ما صدر عن المستشار "الزند" أنه سب.
ب-
وكفرع على النقطة السابقة: استنكار دعوته إلى التوبة، في حين أن جريمة سبِّ الأنبياء
لا توبة فيها.
ت-
استنكار عدم المطالبة بإقالته.
وسوف
أجيب هنا في عجالة على هذه الأمور الثلاثة.
أولاً: لماذا لم نوصِّف فعل
"الزند" على أنه سبٌّ صريح؟
ثمة
إجماع على أن سبَّ الأنبياء ردة عن الإسلام، ولكن ما هو ضابط هذا السب؟
إذا رجعنا إلى شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- في كتابه "الصارم
المسلول على شاتم الرسول"، والذي يمثـِّل أكثر الكتب التي عالجتْ هذه القضية،
وانتصرت فيها لوجوب المبالغة في تجريم سبِّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سواء
صدر مِن مسلم أو مِن كتابي؛ فسنجد أن "شيخ الإسلام" قد تعرَّض في الكتاب
لمسألتين: الأولى: الفرق بيْن عقائد المشركين الباطلة التي
يعقد لهم الذمة مع علمنا باعتقادهم لها، وبيْن السبِّ؛ فوضع ضابطًا للسب نحتاج إليه
مِن باب أولى عند توصيف كلام المسلم، ثم عاد وطرح ذات المسألة في الفرق بيْن السب
وبين عقائد بعض المبتدعة التي تشتمل على انتقاص، وفي كلتا الحالتين أكَّد أن توصيف
جريمة سب النبي -صلى الله عليه وسلم- وما يترتب عليها مِن أحكام خاصة بالألفاظ التي
هي في عرف عامة الناس تعد سبًّا.
فقال في المسألة الأولى: "التكلم في تمثيل سبِّ
رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذكر صفته؛ ذلك مما يثقل على القلب واللسان، ونحن
نتعاظم أن نتفوه بذلك ذاكرين، لكن الاحتياج إلى الكلام في حكم ذلك، نحن نفرض
الكلام في أنواع السب مطلقـًا مِن غير تعيين، والفقيه يأخذ حظه مِن ذلك، فنقول:
السب نوعان: دعاء وخبر. أما الدعاء: فمثل أن يقول القائل لغيره: لعنه الله أو قبحه
الله أو أخزاه الله، أو لا رحمه الله، أو لا رضي الله عنه، أو قطع الله دابره؛
فهذا وأمثاله سب للأنبياء ولغيرهم، وكذلك لو قال عن نبي: لا صلى الله عليه، أو لا
سلم، أو لا رفع الله ذكره، أو محا الله اسمه، ونحو ذلك مِن الدعاء عليه بما فيه
ضرر عليه في الدنيا أو في الدين أو في الآخرة؛ فهذا كله إذا صدر مِن مسلم أو معاهد
فهو سب؛ فأما المسلم فيُقتل به بكل حال، وأما الذمي فيقتل بذلك إذا أظهره".
- ثم قال: "النوع الثاني: الخبر: فكل ما عدَّه
الناس شتمًا أو سبًّا أو تنقصًا؛ فإنه يجب به القتل -كما تقدم-، فإن الكفر ليس
مستلزمًا للسب، وقد يكون الرجل كافرًا ليس بساب، والناس يعلمون علمًا عامًّا أن
الرجل قد يبغض الرجل ويعتقد فيه العقيدة القبيحة، ولا يسبه، وقد يضم إلى ذلك مسبة،
وإن كانت المسبة مطابقة للمعتقد؛ فليس كل ما يحتمل عقدًا يحتمل قولاً، ولا ما
يحتمل أن يقال سرًّا يحتمل أن يقال جهرًا، والكلمة الواحدة تكون في حالٍ سبًّا،
وفي حال ليست بسبٍّ؛ فعُلِم أن هذا يختلف باختلاف الأقوال والأحوال، وإذا لم يكن
للسب حدٌ معروف في اللغة ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى عرف الناس، فما كان في
العرف سبًّا للنبي؛ فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء، وما لا؛ فلا".
- وقال في الحالة الثانية: "السب
الذي ذكرنا حكمه مِن المسلم هو: الكلام الذي يُقصد به الانتقاص والاستخفاف، وهو ما
يُفهم منه السب في عقول الناس على اختلاف اعتقاداتهم: كاللعن والتقبيح، ونحوه، وهو
الذي دلَّ عليه قوله -تعالى-: ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ )
(الأنعام:108) ؛
فهذا أعظم ما تفوه به الألسنة، فأما ما كان سبًّا في الحقيقة والحكم، لكن مِن