شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تصريحات "الزند" وصيانة مقام النبوة... (ما بعد الإقالة)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الناس مَن يعتقده دينًا ويراه صوابًا وحقـًّا، ويظن أن ليس فيه انتقاص ولا تعييب؛

فهذا نوع مِن الكفر، حكم صاحبه إما حكم المرتد المظهِر للردة أو المنافق المبطن

للنفاق، والكلام في الكلام الذي يكفر به صاحبه أو لا يكفر، وتفصيل الاعتقادات وما

يوجب منها الكفر أو البدعة فقط، أو ما اختلف فيه مِن ذلك؛ ليس هذا موضعه، وإنما

الغرض أن لا يدخل هذا في قسم السب الذي تكلمنا في استتابة صاحبه نفيًا وإثباتًا،

والله أعلم".

ومِن ثَمَّ؛ فالتسرع بتوصيف كل قول بأنه سبٌّ تصرف غير سديد، وهذا الذي ذكرناه

نقل ملخصه الشيخ "المنجد"، ونقل مثله عن "الغزالي" في إجابة

السؤال رقم: "163627"، فقال: "قال

أبو حامد الغزالي: "وَمَعْنَى السُّخْرِيَةِ: الِاسْتِهَانَةُ،

وَالتَّحْقِيرُ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِضِ عَلَى وَجْهٍ

يُضْحَكُ مِنْهُ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِالْمُحَاكَاةِ فِي الْقَوْلِ

وَالْفِعْلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ" (انتهى مِن إحياء علوم الدين 3/ 131) .

فكل قول أو فعل يدل -بحسب ما يتعارف عليه الناس ويفهمونه مِن لغتهم- على الانتقاص

أو الاستخفاف بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو القرآن والسُّنة، أو شيء مِن

شعائر هذا الدين؛ فهو مِن الاستهزاء المخرج مِن الملة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الصارم المسلول (541): "وإذا

لم يكن للسبِّ حد معروف في اللغة ولا في الشرع؛ فالمرجع فيه إلى عرف الناس، فما

كان في العرف سبًّا للنبي؛ فهو الذي يجب أن ننزل عليه كلام الصحابة والعلماء، وما

لا فلا" (انتهى) .

فائدة: كلام العلماء على

حديث: (لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا):

في

بعض كتب الفروع كلام على عبارات مِن جنس عبارة "الزند"، أو في الواقع

مطابقة لها؛ نفوا فيها الردة عمن قال مثل هذا، ولكننا سوف ننقل كلامهم على قول النبي

-صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ

أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ) (متفق عليه) ،

ورغم أن الحديث بهذا السياق كان له أهمية كبرى في انتزاع ما تجنح إليه النفوس عادة

مِن محاباة الشرفاء أو استعظام أن يُقام الحد على شريف كما في سبب ورود هذا الحديث

مِن قصة المرأة المخزومية التي سرقتْ؛ فأراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبين

لهم: أنهم إن كانوا يستعظمون إقامة الحد على تلك المرأة الشريفة النـَّسَب؛ فإنه

لو فرض جدلاً أن ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسها قد فعلتْ هذا -حاشاها

مِن ذلك-؛ لوجب إقامة الحد عليها.

- وقد نقل ابن حجر -رحمه الله- وغيره مِن شُراح الحديث عن أئمة المسلمين الأدب

حتى في نقل هذا الخبر، مع أنه صادر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

- قال في "طرح التثريب" في المسائل المستفادة مِن هذا الحديث: "الثَّامِنَةُ

: قَوْلُهُ: "لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ" إلَى آخِرِهِ... فِيهِ

مُبَالَغَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُحَابَاةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ -تَعَالَى-،

وَإِنْ فَرَضْت فِي أَبْعَدِ النَّاسِ مِنَ الْوُقُوعِ فِيهَا، وَقَدْ قَالَ

اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ -رحمه الله- بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ: وَقَدْ

أَعَاذَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ؛ أَيْ: حَفِظَهَا مِنَ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ

وَحَمَاهَا مِنْهُ؛ إذْ هِيَ بِضْعَةٌ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-،

وَهَذَا كَقَوْلِهِ -تَعَالَى-: ( وَلَوْ تَقَوَّلَ

عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ) (الحاقة:44) ، إلَى آخِرِ

الْآيَةِ، وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ سَمِعْنَا أَشْيَاخَنَا -رحمهم

الله- عِنْدَ قِرَاءَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، يَقُولُونَ: أَعَاذَهَا اللَّهُ مِنْ

ذَلِكَ.

وَبَلَغَنَا

عَنِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ -رحمه الله-: أَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ هَذَا اللَّفْظَ

إعْظَامًا لِفَاطِمَةَ -رضي الله عنها- وَإِجْلالا لَمَحِلِّهَا، وَإِنَّمَا قَالَ:

فَذَكَرَ عُضْوًا شَرِيفًا مِنَ امْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ، وَمَا أَحْسَنَ هَذَا

وَأَنْزَهَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ فَاطِمَةَ -رضي الله عنها- دُونَ

غَيْرهَا؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ نِسَاءِ زَمَانِهَا، فَهِيَ وعَائِشَةُ فِي

النِّسَاءِ لا شَيْءَ بَعْدَهُمَا، فَلا يَحْصُلُ تَأْكِيدُ الْمُبَالَغَةِ إلا

بِذِكْرِهَا، وَانْضَمَّ إلَى هَذَا أَنَّهَا عُضْوٌ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله

عليه وسلم-، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْمِلْهُ ذَلِكَ عَلَى مُحَابَاتِهَا فِي

الْحَقِّ، وَفِيهَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّهَا مُشَارِكَةٌ هَذِهِ

الْمَرْأَةَ فِي الاسْمِ، فَيَنْتَقِلُ اللَّفْظُ وَالذِّهْنُ مِنْ إحْدَاهُمَا

إلَى الأُخْرَى، وَإِنْ تَبَايَنَ مَا بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ.

التَّاسِعَةُ:

وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ مُقَدَّرٍ

بِقَيْدِ الْقَطْعِ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ، وَهُوَ وُجُوبُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى

الْبَعِيدِ، وَالْقَرِيبِ الْحَبِيبِ، وَالْبَغِيضِ؛ لا يَنْفَعُ فِي دَرْئِهِ

شَفَاعَةٌ، وَلا تَحُولُ دُونَهُ قَرَابَةٌ وَلا جَمَاعَةٌ" (انتهى) .

فائدة: حكم التوسع في

استخدام هذا الأسلوب:

وبعد

أن ذكر "الحافظ ولي الدين العراقي" صنيع العلماء في الأدب مع رسول الله

-صلى الله عليه وسلم- ومع ابنته؛ حتى ولو في سياق تعليم الناس خبر رسول الله -صلى

الله عليه وسلم- نَقلَ عن الإمام "ابن دقيق العيد" في "إحكام الأحكام

شرح عمدة الأحكام" عبارة جامعة في حكم استعمال أسلوب "لو فعل كذا مِن

الأخطاء؛ لاستحق كذا" في حق مَن لهم حرمة، فقال: "وَقَالَ الشَّيْخُ

تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَا

خَرَجَ هَذَا الْمَخْرَجَ مِنَ الْكَلامِ الَّذِي يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْقَوْلِ

بِأَمْرٍ آخَرَ لا يَمْتَنِعُ، وَقَدْ شَدَّدَ جَمَاعَةٌ فِي مِثْلِ هَذَا،

وَمَرَاتِبُهُ فِي الْقُبْحِ مُخْتَلِفَةٌ".

وخلاصة الكلام: أن استعمال هذا قبيح، ولكنه له مراتب في

الصفحة السابقة الصفحة التالية