خير الناس عند الله وأحبهم إليه أنفعهم للناس
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكْثَرُنَا ظِلاً صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةِ وَسَقَوْا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ ) (متفق عليه) .
- ومتى كان العبد في عون الناس وحاجتهم يسَّر الله له أسباب الخير والنـِّعَم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ للهِ قَوْمًا يَخْتَصُّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا مِنْهُمْ فَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ ) (رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَأَسْبَغَهَا عَلَيْهِ, إلا جَعَلَ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ؛ فَإنْ تَبَرَّمَ بِهِمْ, فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ لِلزَّوَالِ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .
- ومَن كان مِن أهل الخير والمعروف في الدنيا كان كذلك مِن أهل المعروف في الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
- ولهذا قال الله -تعالى- عن صفوة الخلق من أنبيائه وأصفيائه: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) (ا لأنبياء:73 ) .
- فهذا نبي الله يوسف -عليه السلام- يتواتر إحسانه حتى على أهل الحبس في السجن على الرغم مِن كونهم كفرة فجرة حتى قال له صاحبا السجن: ( نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:36) ، فكان معروفًا بالإحسان وقضاء الحوائج ونفع الناس، وقد فسَّر لهما الرؤيا مجانًا، بل وبعد أن نجا أحد الرجلين ونسي قضية يوسف -عليه السلام- ولم يوفِّ بحقه عليه وعاد إلى يوسف قائلاً له في تملق ومكر: ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) (يوسف:46) ، إذا بيوسف -عليه السلام- يُحسِن إليه "وإلى كل أهل مصر" ويفسِّر الرؤيا دون عتاب ولا اشتراط، بل زادهم على تفسيرها النصح والإرشاد، فقال: ( تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) (يوسف:47-49) .
- وهذا الكليم موسى -عليه السلام- أيضًا قال الله -تعالى- عنه: ( وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ . فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (القصص:23-24) .
فلم يترك -عليه السلام- الإحسان إلى المرأتين حتى مع ما كان يعانيه مِن التعب والنصب مِن جراء السفر الطويل، والمسافة الشاسعة التي قطعها من مصر إلى مدين، ومع الألم النفسي مِن مفارقة أهله وشيعته رغمًا عن إرادته، ومع ما كان عليه مِن الخوف مِن فرعون وجنوده الذين كانوا يبحثون عنه في كل مكان لينالوا منه؛ فضلاً عن كونه غريبًا وسط قومٍ لا يعرف فيهم أحدًا ولا يعرفه منهم أحدٌ، ومع كل هذا يرِق موسى -عليه السلام- للمرأتين، وتأخذه النخوة والمروءة والشهامة، فيحسن إليهما؛ نشرًا للخير والإحسان.
- وهذا عيسى -عليه السلام- كان نفـَّاعًا للناس: قال مجاهد -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ) (مريم:31) . "( وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا ) قال: "نفـَّاعًا" (تفسير الطبري وابن كثير) .
- وقد امتدح الله المؤمنين بقوله: ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) (الإنسان:8) . فكانوا يحسنون وينفعون حتى الكافر المحارب الذي حاربهم في الدين، ووقع أسيرًا عندهم!
- وهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلغ مِن خيره العميم ونفعه للناس أن كان كما أخبر جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- إذ قال: "مَا سُئِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لاَ" (متفق عليه) .
- وعن عبد الله بن أَبِي أوفى -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُكْثِرُ الذِّكْرَ، ويقلُّ اللَّغْوَ، ويُطيل الصَّلاةَ ويقصرُ الْخُطْبَةَ، وَلا يَأْنَفُ وَلا يَسْتَكْثِرُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ فَيَقْضِيَ لَهُ حَاجَتَهُ" (رواه الحاكم والنسائي وابن حبان واللفظ له، وصححه الألباني) .
- وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ مَا تُقَامُ الصَّلاةُ يُكَلِّمُهُ الرَّجُلُ، يَقُومُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ فَمَا يَزَالُ يُكَلِّمُهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ يَنْعَسُ مِنْ طُولِ قِيَامِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَهُ!" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .