شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

خير الناس عند الله وأحبهم إليه أنفعهم للناس

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

- وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ قال: "كَانَ رَسُولُ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ. قال: ( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، ويقْضِي الله عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ ) (متفق عليه) .

- وكان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يحلب للحي أغنامهم فلما اُستخلِف قالتْ جارية منهم: "الآن لا يحلبها". فقال أبو بكر: "وإني لأرجو ألا يغرني ما دخلتُ فيه -يعني الخلافة- عن شيء كنتُ أفعله".

وقال مجاهد -رحمه الله-: "صحبتُ ابن عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدمني".

- ولا يقتصر نفع الناس على النفع المادي فقط، بل يشمل النفع بالعلم، والنفع بالرأي والنصيحة والمشورة، والنفع بالجاه والسلطان.

- كما أن هذه المنفعة للناس ليست مقتصرة فقط على أمور الدنيا ومصالحها، بل النفع الأعظم والخيرية الأكمل إنما هي في دلالة الناس على الله وتعريفهم به وبدينه وشريعته، وبرسوله -صلى الله عليه وسلم- وسنته الشريفة؛ إذ أن ذلك سبب السعادة الأبدي، والنجاة مِن الجحيم السرمدي؛ فأي ينفع للعباد أعظم مِن هذا النفع؟! وأي خير وفضل بعد هذا الفضل؟! ولهذا قال الله -تعالى- عن أمة الإسلام: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (آل عمران:110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) (متفق عليه) .

- وإن دعوة الناس إلى الخير ودلالتهم عليه والسعي في نجاتهم مِن أسباب فلاح العبد في الدنيا والآخرة؛ ولذلك أمر الله بها: فقال -سبحانه-: ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (آل عمران:104) .

- كما أنها مِن أسباب نجاة العبد وسلامته مِن الهلاك والعذاب: قال -تعالى-: ( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ . وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) (هود:116-117) ، وقال -تعالى-: ( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) (الأعراف:165) .

- وجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- للدال على الخير والداعي إليه الأجر التام غير المنقوص: فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ) (رواه مسلم) ، وقال: ( إِنَّ الدَّالَّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال: ( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ) (رواه البخاري) .

- وصاحب هذا الخـُلـُق النبيل لا يخزيه الله، ولا يتركه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ وَالآفَاتِ وَالُهَلَكَاتِ، وَأَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .

- وقد قالت خديجة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما رجع إليها مِن غار حراء " تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: ( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي )، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: ( أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي ) وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: ( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي )، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" (متفق عليه) .

- وهذا ما قاله ابن الدَّغنة لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: "فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ القَارَةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ، فَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ؛ فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلاَدِكَ" (رواه البخاري) .

- وقال محمد بن الحنفية -رحمه الله-: "صاحب المعروف لا يقع، وإذا وقع لا ينكسر".

فاللهم انفعنا وانفع بنا، واستعملنا ولا تستبدلنا.

وصلِّ اللهم على محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.

الصفحة السابقة