شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ضوابط النقد بيْن الإفراط والتفريط

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقضية ضوابط نقد وتقييم الأفراد والجماعات شأنها شأن معظم القضايا، يفترق فيها الناس إلى طرفين ووسط: (طرف الإفراط - وطرف التفريط - وبينهما الوسط "العدل")، وإنما يوفـَّق إلى هذا القصد والعدل مَن رجع إلى الكتاب والسُّنة، وأقوال وأفعال السلف رجوعًا حقيقيًّا؛ فلا يكوِّن رأيه أو اعتقاده في المسألة قبْل الرجوع للأدلة، فتكون الأدلة هي التي تصوغ له فكره واعتقاده.

وإلا فكثيرٌ مِن الناس يرى الرأي ثم يبحث عن الأدلة التي يَظن أنها توافقه أو تشهد له؛ وإن أدى ذلك إلى ردِّ نصوص أخرى، ومَن كان همه اتباع الدليل؛ فسيرجع إلى "كل النصوص"، ويفهم بعضها على ضوء البعض الآخر؛ فينجو أيضًا مِن الإفراط والتفريط؛ فهذان البابان يؤثر كل منهما في الآخر، ويؤديان إما إلى الإفراط وإما إلى التفريط:

- تكوين الرأي في المسألة اكتفاءً ببعض النصوص دون البعض الآخر.

- تكوين الرأي في المسألة قبْل الرجوع إلى الأدلة أصلاً، ثم الأخذ مِن الأدلة ما يظنه موافقًا لمذهبه، ولو بتأويل وتعسف!

وفي باب ضوابط النقد وجدنا في واقعنا المعاصر طرفين غاليين:

الطرف الأول: يظن أن إعمال نصوص النهي عن البدع يقتضي ألا تذكر خيرًا عن صاحب بدعة مهما كانت جزئية، وطريقتهم مع صاحب البدعة مطابقة لطريقة الخوارج مع صاحب المعصية، وهؤلاء يطلقون على أنفسهم "أهل الجرح والتعديل"، ظنـًّا منهم أن هذا هو منهج علماء الجرح والتعديل، وربما دخلتْ عليهم الشبهة مِن أن علماء الجرح والتعديل قد يكتفون أحيانًا بالحكم على الراوي إن كان ثقة أم لا؟ مع أن الناظر في مناهجهم يجد أنهم كانوا ينصفون؛ فيذكرون كل راوٍ ما له وما عليه، ثم ينظرون في هذا الذي عليه؛ هل يقدح ذلك في روايته أم لا؟ وما مدى هذا القدح؟ فقبِلوا رواية الخوارج مع عظيم بدعتهم؛ لكونهم يعظمون شأن الكذب، وهذا هو المطلوب في الرواية، ونجد أنهم يفرِّقون بيْن مَن يَكذب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيْن مَن يكذب على الناس، وإن كان كل منهما مردود الحديث، إلا أن الأول أفحش بكثير، وأنهم يفرِّقون بيْن درجات نقص الضبط، ويجعلون لكلٍ منها طريقة في التعامل.

ثم إن في النهاية هذا باب خاص "وهو قبول الرواية"، والكلام في النقد والتقييم والتعامل أعم منه بكثير، ويحتاج إلى الرجوع إلى نصوص الكتاب والسُّنة وأفعال وأقوال السلف في مثل هذه الأحوال.

الطرف الثاني: طرف يُلزم مَن أراد أن ينتقد شخصًا في قول أو فعل أن يذكر جميع حسناته وسيئاته، فيما يعرف عندهم بقاعدة الموازنات.

وهؤلاء فريق مِن المنتسبين إلى أهل السُّنة والجماعة، ولكنهم يعظمون بعض الأدباء أو المفكرين ممن كثر خطؤهم -بغض النظر عن هل هم معذورون في هذه الأخطاء أم لا؟-؛ فأرادوا بهذه القاعدة أن يوفروا حماية لمفكريهم مِن النقد، لا سيما وأن النقد كان غالبًا ما يصدر مِن أصحاب المدرسة الأولى.

ومِن أبرز الأمثلة على هذا: النقد العنيف مِن المداخلة لـ"سيد قطب"، والذي تجاوز نقد أثره في فكر التكفير إلى اعتبار أي نقل عنه -ولو في لفتة أدبية- بدعة وضلالة!

وفي المقابل: فإن المدرسة المسماة بالسرورية لا يكادون يسمحون لأحدٍ أن ينتقد "سيد قطب" إلا ويطالبونه بأن يضم إلى نقده مدحًا بما فيه وبما ليس فيه، ومِن جهة أخرى فهم ممن يروِّج لمنهج تجميعي كمنهج الإخوان، والذي قرره الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله- في قوله: "نتعاون فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه".

وهذه القاعدة صحيحة "لو قُيِّدت" بالخلاف السائغ، ولكن صاحبها أطلقها لفظـًا، وجاء تطبيقه العملي لها تأكيدًا لهذا الإطلاق مِن تبني مشاريع التقارب مع الشيعة وغيرها!

وهذه المدرسة تراعي أن السلفيين لا يقبلون مثل هذا في مسائل الخلاف غير السائغ؛ فيطرحون هذه القاعدة كنوع مِن التخفيف الإجباري لحدة نقد كثير مِن البدع؛ وإن كان معظمهم لا يصل إلى درجة تطبيق هذه القواعد على الشيعة كما فعل الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-.

وهناك مصدر آخر مِن مصادر اللبس في هذه القضية، وهو: الخلط بيْن مسألة نقد المواقف، وبيْن مسألة تقييم الرجال؛ هذا مِن جهة. ومن جهة أخرى: إغفال أن قضية "ما يُقال وما لا يقال" مِن أكثر القضايا التي تحتاج إلى إعمال المصالح والمفاسد.

ومِن ثَمَّ فسنجعل كلامنا في مقامات:

الأول: مقام تقييم قول أو فكرة تحتاج إلى الحكم عليها بغض النظر عن قائلها.

الثاني: مقام التقييم الشامل لشخص أو لجماعة.

الثالث: مقام المدح والذم.

المقام الأول: تقييم الأقوال والأفعال:

إنه مما ينبغي العناية به في هذا الجانب أن الحق يُقبَل ممن جاء به، والباطل مردود على مَن جاء به، ومِن النصوص التي يكثر الاستدلال بها في هذه القضية: قوله -صلى الله عليه وسلم- لأبي هريرة -رضي الله عنه- لما أخبره الشيطان بأن آية الكرسي حرز مِن الشياطين: ( صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ) (رواه البخاري) .

وكالعادة تمسك المُطـْلِقون لقاعدة الموازنات بهذا الحديث على إطلاقه، وأعرض الرافضون لهذه القاعدة عنه فلم يذكروا جوابًا!

والصحيح ما ذكرناه -إن شاء الله- مِن أن الحديث يدل على قبول الحق ممن جاء به، ولا يلزم مِن ذلك ما يُلزِم به البعض مِن وجوب ذكر هذا الحق عن هذا الشخص كلما هممتَ بنقضه، والحديث لا يسعفهم على ذلك؛ وإلا فهل يلزم عند ذكر الشيطان أن نقول: وقد صدق أبا هريرة مرة؟! لا نظن أن عاقلاً يقول هذا.

وقبول الحق ممن جاء به ليس لمجرد الإنصاف فحسب، بل للاستفادة مِن ذلك متى وجدناه حقـًّا مشروعًا أو مباحًا إذا كان الأمر يتعلق بالوسائل؛ كحفر الخندق الذي أخذه النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن فعل فارس؛ فلما كان مِن باب الوسائل، وكان الأصل فيه الإباحة أخذ به -صلى الله عليه وسلم-.

وتظهر أهمية هذا في إدراك أن وجود قضايا مشتركة بيْن أهل السُّنة وبعض أهل البدع لا تجعلنا نجعل هذه القضايا مِن جملة البدع؛ وقد غلا قومٌ في ذلك حتى عدوا الكلام في "الحاكمية" ولو بنصوص الكتاب والسُّنة وكلام أئمة السُّنة مشابهة للخوارج! وعدَّوا الكلام في "الإمامة" موافقة للشيعة، وهكذا... !

الصفحة التالية