شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ضوابط النقد بيْن الإفراط والتفريط

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

ومِن ذلك: اعتبار البعض أن كل فكرة ظهرت خارج الإطار السلفي فهي بدعة!

فأصبحت الرحلات الهادفة للشباب -في حسبهم- بدعة، وأصبحتْ قوافل الدعوة في حسبهم -وإن لم ترتب على نحو بدعي- بدعة! وكذلك العمل الجماعي؛ وإن كان تعاونًا على نشر الكتاب والسُّنة بفهم سلف الأمة، فهو -في حسبهم- بدعة.

وهذا مما ينبغي أن يُنتبه إليه: أن نسبة القول أو الفعل إلى فردٍ أو طائفة لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا؛ إلا إذا كان السياق يقتضي ذلك مِن أن يقول أهل العلم: هذه أقوال الفرقة الفلانية -أي التي خالفوا بها أهل السُّنة-.

المقام الثاني: مقام التقييم الشامل لشخص أو جماعة:

لا يخفى على المتأمل أن هذه المسألة في غاية الأهمية؛ لأنه يترتب عليها كثير مِن المسائل، منها:

1- التكفير والتبديع والتفسيق: فإن هذا لا بد فيه مِن معرفة أقوال وأفعال الشخص أو الطائفة محل الدراسة؛ ليعلم حكم الله في مثلها، ثم يعلم أحوال هؤلاء مِن وجود شروط تطبيق الحكم على المعين، وانتفاء الموانع مِن عدم ذلك، ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ بل يتجاوزه إلى كون الكفر ليس على درجة واحدة، بل بعضهم أكثر شرًّا مِن بعض ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ) (النحل:88) ، فضاعف لهم العذاب؛ لكونهم ضموا إلى الكفر الصد عن سبيل الله، وكذلك الذنوب منها كبائر وصغائر، والبدع منها ما يصادم كليًّا مِن كليات الشريعة، ومنها ما يكون بدعة جزئية.

والحكم على كل شخص بما يستحقه، لا يحتاجه فقط ذوي السلطان لتطبيق الحدود والعقوبات، ولكن يحتاجه كل أحد؛ لأنه يترتب عليه الولاء والبراء القلبي اللذان يتجزآن كفرع على مسألة زيادة الإيمان ونقصانه؛ فيُحب المؤمن المطيع مِن كل وجه، ويوالي المسلم المقصِّر بمقدار ما معه مِن إيمان، ويبغضه بقدر ما معه مِن البدع والمعاصي، ويبغض الكفار، ومع هذا فمنهم المسالمين الذين قال الله في شأنهم: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) ، ومنهم الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، وبينهما درجات كثيرة.

كما يتفرع على هذا: المدح والذم، وإن كنا قد أفردناه بالكلام؛ لأن معظم الخصومة راجعة إليه.

ومَن نظر في كلام شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- على الفِرق المختلفة يجد تطبيقًا واضحًا لهذا الأمر، فيذكر معتقد كل فرقة، ويفرِّق بيْن أقوالهم وبيْن لوازم أقوالهم؛ فلا ينسبها لهم "وإن احتج عليهم بها"، ثم يفرق بيْن النوع والعين فيما يُتصور وجود شبهة فيه مِن جهل أو تأويل.

المقام الثالث: المدح والذم:

ذكرنا -فيما مضى- أن مَن ثمرات التقييم الشامل للأفراد أو الجماعات أن هذا يترتب عليه ولاء وبراء؛ بناءً على قاعدة تجزؤ الولاء والبراء، وذكرنا أن المدح والذم فرع على ذلك، وعلى هذا؛ فالحالة المُثلى متى وُجدت الظروف المناسبة وأُمِنت الفتنة أن يُذكَر لطلاب العلم التقييم الشامل لمن يتعرضون له مِن الأفراد والجماعات؛ لكي يتمكنوا مِن إعطاء كل أحد حقه؛ ولاءً وبراءً.

ومِن الأمور التي ينبغي العناية بها في هذا الموطن: أن بعض أهل الخير قد يصل إلى درجة تغمر سيئاته في بحر مِن حسناته "وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" كما بيَّنه شيخ الإسلام -رحمه الله- في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" الذي دافع فيه عن بعض مِن أخطاء الأئمة في بعض المسائل؛ لا سيما "أبي حنيفة" -رحمه الله- وسائر علماء الكوفة.

وأما مَن دونهم في العلم والفضل؛ فالأمر يحتاج إلى التوازن بيْن التحذير مِن البدعة في شخص قائلها، وبيْن حق هذا المبتدع مِن الولاء على أصل الإيمان، وعلى ما معه مِن موافقة السُّنة، وقد يترجح هذا في موطن، ويترجح هذا في موطن، حتى مع هذا الشخص الواحد.

والنظر إلى شدة كلام الإمام "أحمد" -رحمه الله- على القائلين بخَلـْق القرآن حتى نُسب إليه تكفيرهم، وإلى عدم خروجه على مَن امتحنه على الفتنة منهم، بل دعائه واستغفاره لهم، يحدد لك مثالاً واضحًا لما ذكرنا.

وكذلك ثناء شيخ الإسلام على أمراء المماليك، الذين قاوموا التتار لما وَجد أن البعض قد يستثمر أخطاءهم العقدية والفقهية، بل والسلوكية أحيانًا، في منع الناس مِن قتال التتار تحت رايتهم.

الحاصل: أنه مع بقاء الأصل العام مِن إحقاق الحق وإبطال الباطل، يمكن أن تكتفي بذكر الباطل الذي عند شخص ما؛ تنفيرًا مِن باطله ما لم يترتب على ذلك مفسدة أكبر، كما حذر الإمام "أحمد" -رحمه الله- مِن الحارث المحاسبي، وأما إذا خفتَ أن يضيع حق، أو أن تضيع مصلحة كبيرة للمسلمين، كمن أرادوا القعود عن قتال التتار مع المماليك؛ فلا بد هنا مِن التفصيل.

ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أن قاعدة البدعة أحب إلى إبليس مِن المعصية -هذا مِن حيث الجنس-؛ فجنس البدعة أعظم مِن جنس المعصية، ولكن البدع المختلف فيها: "كوضع اليدين على الصدر بعد الرفع مِن الركوع -عند مَن يرى بدعيتهاـ، وكصلاة التسابيح -عند مَن يرى بدعيتهاـ" ليستْ كالمعاصي المتفق على حرمتها، كما أن البدع فيها كبائر وصغائر، والمعاصي فيها كبائر وصغائر، ولا يمكن أن يُجعل مَن زاد صفة أو هيئة في ذكر أو ورد كمن يزني أو يشرب الخمر!

الصفحة السابقة