أصول الفكر القطبي "كفر الحكام - جاهلية المجتمعات - مفاصلة المجتمعات - اللجوء للعنف بدعوى الردع!"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
تمهيد:
هذا المقال جزءٌ مِن دراسة عن تاريخ ظهور "مناهج العنف والصدام" في الحركة الإسلامية المعاصرة، وكنتُ أفضِّل ألا أتعرَّض لها حتى تهدأ العاصفة، وتذهب السكرة، وتأتي الفكرة، ولكن مِن الواضح أن هناك مَن لا يريد للسكرة أن تذهب، ولا للفكرة أن تأتى بطبيعة الحال!
فتعمدَ "تحالف دعم الشرعية" أن يدعو إلى ما أسماه بـ"ثورة الشباب المسلم"، وحَرِص أن يتم ذلك مِن خلال مجموعة تسمى بـ"الجبهة السلفية!"، وهي -كما بيَّنا في مقالة "الجبهة القطبية وليست الجبهة السلفية"- مجموعة قطبية بمسمى سلفي!
وهذا يعني أن إصرارهم على جر الشباب السلفي إلى "ممارسات قطبية" تزداد وضوحًا يومًا بعد يوم؛ مما يوجب علينا التوضيح والبيان.
"سيد قطب" بيْن السلفية والعقلانية:
يحلو لبعض المعجبين بسيد قطب -رحمه الله- أن يلحقوه بركب المنهج السلفي، بل ربما جعلوه مِن أئمته! وبعد أن يقوموا بهذا يعجزون عن الدفاع عن أخطائه في معظم أبواب العقيدة في: "الأسماء والصفات - والصحابة والإمامة - وغيرها... "، وهي أخطاء نرى بالفعل أنها غير مقصودة، ولكنها لا يمكن أن تصدر عن طالب علمٍ درس عقيدة السلف، فضلاً عن عالم فيها؛ مما يلزم معه الإقرار بأنه في العلوم الشرعية بمنزلة العوام أو المثقفين "على أقصى تقدير".
وأما خطؤه الرئيسي فجاء مستندًا على مرجعيات شتى، منها: "مدرسة العقاد الأدبية"، ومنها: "النزعة الاشتراكية" التي تأثر بها، ومنها: "الصدمة في تنظيم الضباط الأحرار" الذين تعاون معهم حتى قبل أن ينضم للإخوان في الفترة من 1950 إلى 1953م قبل أن ييأس من تنفيذ مشروعه الإصلاحي "عندما كان مشروعه إصلاحيًّا" من خلالهم، فاتجه إلى الإخوان بصفتهم مشروعًا إصلاحيًّا قائمًا بالفعل يلتقي مع معظم أهدافه، ولكن الصدمة كانت عليه كبيرة حينما وقع الصدام بيْن "عبد الناصر" و"الإخوان" بينما هو يخطو خطواته الأولى كمسئول للتثقيف داخل الجماعة؛ فجلس في سجنه يفكر هو ورفيقه "يوسف هواش" في أمر الدعوة ومستقبلها، وتأمينها مِن بطش الأنظمة الحاكمة.
فمنهج سيد قطب "عقلاني" بامتياز، وأما مرجعيته الشرعية فكانت للقرآن أصالة مع شيء من السنن التي طالعها في كتب التفسير التي كان يراجعها وهو يكتب خواطره في تفسير القرآن؛ وهذا -بلا شك- أدنى بكثير مما هو مقرر في "المرجعية السلفية" مِن الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
ومن طبيعة العقل أن يخطئ حينًا ويصيب حينًا؛ ومِن ثَمَّ فقد أصاب "سيد قطب" في مواطن مِن تأملاته القرآنية؛ لا سيما فيما يتعلق بأهمية العقيدة كأصل يتفرع عليه العمل، ولكن هذا الصواب سرعان ما لحق به خطأ لا يغتفر حينما تواردت أفكاره مع بعض أفكار الخوارج، أو بدرجة أكبر مع أفكار المعتزلة في مسائل الإيمان والكفر؛ وهذه طبيعة المناهج العقلية.
ضوابط النقل عن "سيد قطب":
قدَّمنا أن لـ"سيد قطب" أخطاء متناثرة في عدة مسائل عقدية، كما أن له كلامًا طيبًا في أهمية العقيدة، ولكنه غالبًا ما يأتي متضمنًا لكلام فيه تقرير لقواعد تكفيرية أو يَلزم منها التكفير؛ مما يجعل النقل عنه في هذا الباب لا بد أن يتسم بالحذر الشديد، ولكن لـ"سيد قطب" كلام طيب للغاية فيما يتعلق بالوحدة الموضوعية للسور، وتبيين مقاصدها، واستنباط الفوائد التشريعية والاجتماعية والبلاغية منها؛ والمنهج السلفي قائم على قبول الحق ممن جاء به شريطة أمن عدم التباس الحق بالباطل، وهذا ما يفسِّر نقل السلفيين عن سيد قطب، هذا بالإضافة إلى أن الكثيرين يميلون -ولو بالعاطفة- إلى التفريق بين سيد قطب وبين المنهج القطبي، وهو ما سنتناوله في الفقرة الآتية.
بين "سيد قطب" والمنهج "القطبي":
لا شك أن المنهج القطبي يُنسب أصالة إلى سيد قطب، ولكن الأسلوب الأدبي لسيد قطب شجَّع الكثيرين على محاولة تبرئته من المنهج القطبي الذي انتشر ونُسِب إليه، مدعين أن هذا المنهج "فهم خاطئ" من أصحابه لكلام سيد قطب.
ولنا على هذا المسلك عدة ملاحظات:
1- لا شك أن المنهج القطبي لا يُنسَب إلى سيد قطب وحده، بل ينسب إلى مَن هو سابق على سيد قطب كـ"أبي الأعلى المودودي"، ولبعض تلاميذ سيد قطب، وعلى رأسهم: أخوه "محمد قطب"، و"عبد المجيد الشاذلي"، ومجموعات أخرى أكثر تطرفًا من "عبد المجيد الشاذلي"؛ بل الصحيح أن جماعة "التكفير والهجرة" هي ذاتها أحد الجماعات التي نشأت على الفكر القطبي في السجون.
2- مسئولية سيد قطب عن كتابات "أبي الأعلى المودودي" واضحة وكبيرة؛ لأنه هو الذي قررها على الأسر الإخوانية؛ ولذلك اكتفى كتاب "دعاة لا قضاة" مِن باب المواءمة مع قطبيي الجماعة بتوجيه النقد إلى كتابات "أبي الأعلى المودودي" والذي يعني توجيه النقد الضمني إلى سيد قطب.
3- مسئولية سيد قطب عن كثير مِن كتب أخيه "محمد قطب" كبيرة؛ لأنه كتبها وهو معه في السجن، وتحت إشرافه، مثل كتاب: "جاهلية القرن العشرين"، وكتاب: "هل نحن مسلمون؟!".
4- الذي يمكن أن يُقبَل فيه دعوى عدم مسئولية سيد قطب عنه هو كتابات "عبد المجيد الشاذلي"، وما فيه مِن تقعيد أكثر أصولية لمبدأ: "المنزلة بين المنزلتين" تحت مسمى: "اللوث!"، بل إن "محمد قطب" نفسه لا يتبنى تنظير "عبد المجيد الشاذلي" بعينه، وإن كان لا يرفضه، وكما لا يرفض مسالك قد تبدو أكثر قربًا مِن الطرح السلفي، كإثارة مسألة: "اشتراط جنس العمل الظاهر في أصل الإيمان"، مع أن بعض تفسيراتها تقربها مِن طرح "التكفير والهجرة".
وفي ذلك يقول الشيخ "يوسف القرضاوي" في مقالة له بعنوان: "كلمة أخيرة حول سيد قطب": "وقد رأينا تجمعات في أقطار مختلفة يسمون (القطبيين)، يتبنون فكرة التكفير، وقد رأيتُ مِن آثار ذلك: من سألوني عن الصلاة في البيوت، وترك المساجد باعتبارها معابد الجاهلية، وهو مما فهموه من "الظلال" في تفسير قوله -تعالى-: ( وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) (يونس:87) ، وقد رددت عليهم في الجزء الأول من كتاب (فتاوى معاصرة)، ومَن قرأ أدبيات جماعات التكفير يجد آثار هذا الفكر وعباراته المعروفة في صلب هذا الفكر، وإن لم يصرحوا بالنقل عنه" (اهـ كلام الشيخ القرضاوي) .