أصول الفكر القطبي "كفر الحكام - جاهلية المجتمعات - مفاصلة المجتمعات - اللجوء للعنف بدعوى الردع!"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
5- كان سيد قطب أول مَن استعمل مصطلح: "دعاة لا قضاة"، ومِن الواضح أنه دشن به لمسألة "اللوث" أو "التوقف"؛ لأنه كان يستعملها في معرض الإجابة عن السؤال حول مدى انسحاب الحكم بالجاهلية مِن المجتمع على أفراده -تفريعًا على اعتقاد سيد قطب أن المجتمعات المعاصرة مجتمعات جاهلية-، بينما استعمله الأستاذ "الهضيبي" بمعنى التنفير من التكفير.
منهج "سيد قطب" مِن وجهة نظر الشيخ "القرضاوي":
مِن المفيد هنا قبل أن نلخِّص "منهج سيد قطب" مِن خلال كتاباته بقلمنا، أن نؤكد -حتى لا يظن أحد أن هذا الفهم نوع من التجني على الرجل- أن ثمة اتفاق على أن هذه الأصول موجودة في كتابات سيد قطب، وأن مفكري الإخوان يكادون يتفقون على هذا.
ولكنهم ينقسمون فيما بعد إلى أربعة أقسام:
الأول: معتقِد لهذه الأفكار وترك جماعة الإخوان، مثل: عبد المجيد الشاذلي "الذي أيد حازم أبو إسماعيل في انتخابات الرئاسة، ثم دخل في تحالف دعم الشرعية بعد ذلك".
الثاني: معتقد لها أو لمعظمها مع بقائه في الجماعة، مثل: "سعيد حوى".
الثالث: مَن يلتمس التأويل لسيد قطب في أنه لم يقصد المتبادر إلى الذهن مِن كلامه، مثل: المستشار "سالم البهنساوي".
الرابع: مَن يرى وجوب التصريح بخطأ "كتابات" سيد قطب في هذا الباب حتى ولو التمستْ له أعذار مِن أنه لم يقصد أو تراجع، ومِن هؤلاء الشيخ "يوسف القرضاوي" الذي لخص منهج "سيد قطب" ونقده في مقالة بعنوان: "كلمة أخيرة عن سيد قطب"، ننقل منها المواطن التي لخص فيها منهج "سيد قطب".
فمن ذلك قوله:
- "وسيد قطب ينطلق مِن أن الأمة المسلمة قد انقطع وجودها منذ زمن، ولا بد من إعادتها من جديد، وكل الموجودين اليوم من سلالات أقوام كانوا مسلمين، وأوطانهم كانت مِن قبْل دارًا للإسلام، ولم تعد اليوم دارًا للإسلام، وإذا لم يكونوا مسلمين؛ فعلينا أن ندعوهم إلى اعتناق العقيدة الإسلامية، وأن يدخلوا في الإسلام من جديد".
- وقال: "فهو يرى أن الإسلام قد انقطع وجوده من الأرض، فلا توجد أمة مسلمة، ولا يوجد مجتمع مسلم، بل لا يوجد أفراد مسلمون، لا بمعنى أنهم ارتدوا عن الإسلام، بل لأنهم لم يدخلوا أصلا في الإسلام؛ لأن دخول الإسلام لا يتحقق إلا بشهادة أن "لا إله إلا الله" بما تتضمنه مِن إفراد الله -تعالى- بالحاكمية، وهم لم ينطقوا بالشهادة بهذا المدلول، وهذا هو المفهوم الذي أنكره العلامة "الندوي" على "سيد"، وعلى "المودودي" من قبله، وسماه: (التفسير السياسي للإسلام)".
- وقال: "وغاية سيد قطب: أن يعلن رفض هذا المجتمع كله من حوله؛ فهو مجتمع جاهلي لم يدخل بعد في الإسلام، المطلوب: أن ندخِل الناس في الإسلام من جديد، وندعوهم إلى اعتناق عقيدته، كما دعاهم الرسول وأصحابه، وأن نشعرهم بأنهم شيء ونحن شيء، وأنْ نصارحهم بذلك بلا وجل ولا خجل حتى يعرفوا حقيقة أنفسهم".
- وقال: "وسيلة سيد قطب: هي الدعوة والتربية أيضًا مع غرس الشعور في العصبة المؤمنة القليلة -التي هي المسلمة دون من عداها- بالعزلة الشعورية من المجتمع، ورفض الانفتاح والتحاور مع الآخر، بل وتجب التعبئة الفكرية والشعورية ضده، وتقديم سوء الظن بهؤلاء الذين لا يضمرون إلا الشر والعداوة لمسلمين".
ومِن هذه النُقُول عن الشيخ "يوسف القرضاوي" يتبيَّن لنا أنه لخص أهم أخطاء "سيد قطب" في الأمور الآتية:
1- الحكم بكفر الحكام.
2- الحكم بجاهلية المجتمعات.
3- دعوته للعزلة الشعورية.
وقد فات الشيخ "القرضاوي" أن يتعرض لخطأ آخر مِن أهم أخطائه، أو لعله سكت عنه لكونه من موروثات عصر الأستاذ "حسن البنا"، كما أن الجماعة أعادت اعتماده بصورة أو بأخرى، وهي: "فكرة اللجوء للعنف كأسلوب ردع إذا تعرضوا لحملة أمنية".
وسوف نتناول هذه العناصر مع التركيز بشكل أكبر على العنصر الرابع الذي أغفل الشيخ "القرضاوي" ذكره.
تتمة: البنا وقطب، والبناويون والقطبيون:
هل يوجد خلاف جوهري بين فكر الأستاذ "سيد قطب" والأستاذ "حسن البنا"؟
الإجابة على ذلك متفاوتة أشد التفاوت بين مفكري الإخوان أنفسهم؛ فضلاً عن غيرهم، وعندي أن سبب ذلك أن فكر الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله- قد مر بمرحلتين: الأولى في الثلاثينيات، وكان لا يتبنى تكفير الحكام سواء الملك أو رؤساء الحكومات، بما في ذلك رؤساء الحكومات التي عارضتها كل القوى الوطنية، مثل: حكومة "إسماعيل صدقي"، الذي يرى المستشار "طارق البشري" أن تأييد الإخوان له يمثـِّل خطأ يستعصى على التأويل، ولا يجدي معه إلا الاعتذار!
كما كان الأستاذ "البنا" منفتحًا على المجتمع، وكان ينبذ العنف.
وشهدت مرحلة الأربعينيات تطورًا في فكر "حسن البنا"؛ حيث اتسم كلامه مع الحكام بالشدة، كما أسرف في مدح إسلام وإيمان أبناء جماعته في مقابل إسلام وإيمان غيرهم، والأخطر مِن هذا أنه بدأ من الناحية العملية فكر "الردع بالعنف" بتأسيس "التنظيم الخاص" مشفوعًا بتنظير نظري مقتضب في جملة "إننا لن نلجأ للعنف إلا مضطرين".
ونستطيع أن نقول: إن فكر الأستاذ "سيد قطب" تطوير طبيعي لفكر الأستاذ "البنا" في مرحلة الأربعينيات في هذه الاتجاهات الثلاثة: "العلاقة بالدولة - العلاقة بالمجتمع - اللجوء للعنف بداعي الردع"، وأنه في كل هذه الاتجاهات نحا نحو مزيدٍ من الغلو، وأنه أضاف إليها: "العزلة الشعورية، والزهد في الوصول إلى الحكم"، وأن هذه النقاط هي التي تميزه بشكل واضح عن فكر "البنا" في مرحلتيه.
والسؤال الآخر: هل ينقسم الإخوان إلى بناويين وقطبيين؟
يقسِّم معظم الباحثين الإخوان إلى تيارين:
الأول: يطلق عليهم الباحثون وصف "بناويين"، والأجدر بهذا الوصف هم الذين يحملون فكر "بنـَّا الثلاثينيات" مثل: "عمر التلمساني"، ومعظم أبناء جيل الجماعة الإسلامية الذي انضم للجماعة في عهده.