البنا يقول: "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!" عن قاتلي صاحب مذبحة "كوبري عباس"؛ فهل مِن مقتدٍ به؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تعرضنا في المقال السابق للخلاف الدائر بيْن أجنحة الإخوان حول العنف والسلمية، وقد حاول كلُّ فريق منهم أن يحشد ما استطاع مِن أدلة؛ فتمسك القائلون بالسلمية بالقسط الأكبر مِن تاريخ الأستاذ حسن البنا -رحمه الله-، بينما تمسك الآخرون بما جاء في رسالة المؤتمر الخامس مِن قوله: "وبعد كل هذه النظرات والتقديرات أقول لهؤلاء المتسائلين: إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة، وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاءَ صرحاءَ، وسيُنذِرون أولاً، وينتظرون بعد ذلك، ثم يَقدِمون في كرامة وعزة، ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا، بكل رضاء وارتياح".
وعاشت الجماعة منذ منتصف السبعينيات تنفي الدعوة إلى استخدام القوة عن الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-، ومنهم مَن رَمى بتبعة ظهور فكر العنف والتكفير في الإخوان على الأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله- كالشيخ "القرضاوي"، ومنهم مَن حاول تبرئة "سيد قطب" أيضًا كـ"سالم البهنساوي"!
وقد قررنا أنه كان يمكن -بل قد تم بالفعل- قبول تبرئة كل الرموز التاريخيين بما في ذلك "سيد قطب" ذاته إذا كان الواقع منضبطًا نظريًّا وعمليًّا، ولعل أكبر خطأ مِن التيارات الإسلامية الإصلاحية أنها قَبِلت، بل واجتهدتْ في تبرئة تاريخ الإخوان بناءً على واقعهم العملي السلمي منذ عودتهم للحياة العامة في السبعينيات دون أن يطالِبوا الجماعة بتأصيل نظري محكم لهذه المسائل؛ حتى فوجئنا بأن فصيلاً كبيرًا مِن الجماعة يستدعي سياسة "الردع!" التي قررها "سيد قطب" في "تنظيم 65"، ولكن ينظـِّر لها مِن كلام "حسن البنا" -رحمه الله-.
ومهما يكن مِن شأن معنى كلام الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله-؛ فيبقى أن مواقفه العملية المعلنة مِن قضية الاغتيالات كانت في غاية الوضوح، وكانت في درجة استنكارها للاغتيالات أكثر صرامة مِن درجة استنكار الفريق الداعي إلى السلمية في الإخوان للاغتيالات، وأما دعاة العنف؛ فحدِّث ولا حرج، ويتضح هذا بوضوح في البيانات والتصريحات التي صدرتْ مِن الجماعة أو مِن بعض رموزها بشأن حادث اغتيال "النائب العام".
وهي القضية التي أعادت إلى الأذهان قضية اغتيال القاضي "الخازندار"، والتي بدأت معها المحنة الأولى لجماعة الإخوان، وإليك ملخص القضية كما رواها الأستاذ "محمود عبد الحليم" في كتابه: "الإخوان المسلمون... أحداث صنعت التاريخ".
قال الأستاذ "محمود عبد الحليم" ما ملخصه:
" قضية اغتيال الخازندار: وقعتْ هذه الجريمة في 22 فبراير 1948م، واتُهم فيها طالبان مِن المنتسبين إلى الإخوان... ولا أزال أذكر كيف وقع نبأ هذه الجريمة على الأستاذ الإمام -وعلينا جميعًا- موقع الصاعقة... حتى إن الأستاذ -رحمه الله- تنهد طويلاً وأخذ يشكو إلى الله مِن هذا التصرف الأحمق، والحماس الأعمى الذي شبهه بإخلاص الدب لصاحبه، إذ أراد أن يخلصه مِن مضايقة ذبابة على وجهه وهو نائم؛ فأتى بحجر ضخم وألقاه على الذبابة فلم يصبها، ولكنه قتل صاحبه.
تبيَّن فيما بعد أن هذين الشابين -وكانا بعد في الدراسة الثانوية- كانا صديقين لشابين في مثل سنهما مِن الإخوان هما: حسين محمد عبد السميع، ومحمود نفيس حمدي، اتهما -في معمعان ثورة الشعب على طغيان العسكريين الإنجليز وتعديهم على أفراد الشعب- بإلقاء قنبلة يدوية على نادي الضباط الإنجليز بالقاهرة في ليلة عيد الميلاد من عام 1947م، ولم يصب أحدٌ مِن هذه القنبلة، ولم يقبض عليهما في مكان الحادث، بل ضبطا في أثناء سيرهما، وعند تفتيشهما وُجد في جيب الأول قنبلة لما سُئل عنها قال إنه وجدها في الطريق.
ولما عُرضت هذه القنبلة على ضابط استكشاف القنابل قدَّم تقريرًا بأنها ليست مِن النوع الذي ألقي في تلك الليلة... وقد قدم هذان الشابان إلى محكمة الجنايات برياسة المستشار أحمد الخازندار بك؛ فأصدرت حكمها في 18 يناير 1948م بحبس حسين عبد السميع ثلاث سنوات مع الشغل وغرامة مائة جنيه -وقد سبق أن أشرنا إلى هذه الحادثة في موضعها في الجزء الأول من هذا الكتاب-.
وفي خلال ذلك العام نفسه -عام 1947م- كانت هناك أمام القضاء قضية هامة لجريمة بشعة مروِّعة وقعتْ في الإسكندرية، وقد هزت أرجاء البلاد؛ سُميت بجريمة سفاح الإسكندرية، وكان يدعى حسن قناوي، وقد راح ضحية هذه الجريمة أكثر مِن قتيل، وكانت دوافع ارتكاب جرائم القتل هذه دوافع جنسية قذرة... وكانت تفاصيل هذه القضية وما دار في جلساتها من شهادات مما يزكم الأنوف، ويؤذي المشاعر، مِن بهيمية منحطة ووحشية مرعبة... وكان ما تنقلته الصحف مما يدور في جلسات هذه القضية يثير الذعر والاشمئزاز في نفس كل مصري ومصرية... وتمنى الشعب كله أن لو استطاع القضاء أن يخلِّص الإنسانية مِن هذا الوحش الكاسر الدنيء... وطالب الأستاذ أنور حبيب وكيل النيابة في مرافعته برقبة المتهم، فجاء طلبه مترجمًا لشعور الناس جميعًا في أنحاء البلاد، ولكن الحكم الذي أصدرته محكمة الجنايات برياسة أحمد الخازندار بك كان صدمةً لمشاعر الناس، فقد أصدرت المحكمة في 12 مارس 1947م على سفاح الإسكندرية بسبع سنوات من الأشغال الشاقة، تلقاها المتهم -كما جاء بالصحف في ذلك الوقت- بالابتسام بعد أن كان واجمًا!
تبين أن هذين الشابين حنقا علي رئيس المحكمة ألا يراعي في حكمه الدوافع الوطنية النبيلة في القضية الأولى، وأن يساوي بينها وبين الدوافع القذرة الأثيمة الثانية؛ فأقدما على ما أقدما عليه.
كانت هذه الجريمة في ذاتها -مع كل ما قيل فيها مِن اعتبارات وظروف- جريمة شائنة، ولكنها بالنسبة للإخوان المسلمين -وهم متقيدون بالمُثـُل الإسلامية العليا- كانت صدمة قاسية، وكارثة أليمة... وما كان الإخوان في ذلك الوقت يملكون إزاءها أكثر مِن أن يعلنوا استنكارهم أشد الاستنكار، وتبرؤهم منها ومن مرتكبيها.