شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

البنا يقول: "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!" عن قاتلي صاحب مذبحة "كوبري عباس"؛ فهل مِن مقتدٍ به؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

ومع أن محاكمة الشابين أثبتت أنهما لم يستوحيا إقدامهما على الجريمة مِن أية جهة غير تصورهما الشخصي، ومع أن الفحص الطبي أثبت أن بهما لوثة من الجنون، وأصدرت المحكمة بناءً على ذلك حكمها عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة دون الإعدام... مع كل هذا فإن هذه الجريمة تركت أثرها في نفوس الرأي العام بأن كل ذلك لم يكن كافيًا لإبراء ذمة دعوة هي في نظر الناس أطهر مِن ماء السماء! وليس معنى هذا أن الرأي العام قد وصم الإخوان بهذه الجريمة، أو اعتقد أن لهم فيها يدًا، وإنما كان يتمنى ألا يكون مرتكبا هذه الجريمة قد انتسبا إلى هذه الدعوة في يوم من الأيام... وكما أن هذا الشعور كان شعور الرأي العام فإنه أيضًا كان شعور الإخوان أنفسهم؛ لا سيما الأستاذ الإمام الذي دفعه هذا الشعور إلى إعداد العدة لإعادة النظر في صفوف المنتسبين إلى الدعوة.

ولولا معاجلة الأحداث له لنفذ الخطة التي أعدها لذلك، وإن كان المسئولون عن الدعوة مِن بعده قد وضعوا خطته هذه موضع التنفيذ، مما يأتي بيانه في فصول قادمة -إن شاء الله-.

هذا بيان موجز غاية الإيجاز عن هذه القضية كان لا بد مِن تقديمه قبْل الحديث عن موضوع هذا الفصل، فإن هذه القضية وإن لم تكن مِن قضايا الإخوان؛ إلا أنها كانت مِن أبعد القضايا أثرًا في دعوة الإخوان المسلمين بحيث اتجهت بها اتجاهًا خاصًّا، وشكلتها بتشكيل معين" اهـ .

لاحِظ أن الشاب الذي حوكم عند القاضي "الخازندار" حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ومِن الواضح أنه راعى التخفيف قدر الإمكان حيث كان الوضع القانوني للإنجليز هو أنهم موجودون بموجب اتفاقية 1936م، وهي اتفاقية كان يرى الإخوان نقضها عن طريق الأمم المتحدة مما يعني اعترافهم هم وغيرهم بها كأمر واقع.

وفي المقابل: تهور هذان الشابان الإخوانيان وقتلا الرجل، وكانت حادثة ما زال لها التأثير الأقوى في مسار الحركة الإسلامية حتى الآن، ومع هذا فالأستاذ "محمود عبد الحليم" يكاد يلتمس العذر لهذين القاتلين، وهكذا كل مؤرخي الجماعة تقريبًا!

وهي كارثة تبدو أكثر فداحة حينما نأتي للكلام على: مَن هو "النقراشي باشا"؟

كانت واقعة اغتيال القاضي "الخازندار" هي السبب الرئيسي في صدور القرار العسكري بحلِّ جماعة الإخوان المسلمين، والذي أصدره "النقراشي باشا" رئيس الوزراء بناءً على مذكرة طويلة مِن وزارة الداخلية، كان للأستاذ "حسن البنا" ردود على معظمها، وإن كان الحدث الأكبر فيها هو اغتيال القاضي "الخازندار"، وهو ما اعتبره "البنا" تصرفًا فرديًّا لا يعبِّر عن الجماعة؛ إلا أن بعض أفراد الجماعة قد عاودوا ذات الخطأ الفردي، وبطريقة أفدح باغتيال النقراشي باشا.

وبداية نحب أن نعرف مَن هو النقراشي باشا مِن واقع كتاب "الإخوان المسلمون... أحداث صنعت التاريخ".

"النقراشي" باشا كما يصوره الأستاذ "محمود عبد الحليم"، هو: أحد قيادات حزب السعديين، العدو اللدود للوفد وللإخوان في ذلك الوقت، وقد تولى رئاسة الوزارة وفشل، واستقال وخلفه سعدي آخر هو "إسماعيل صدقي"، وفشل واستقال، وقد أيد الإخوان كلاً مِن "النقراشي" و"إسماعيل صدقي" على خلاف كل القوى السياسية آنذاك، ما عدا السعديين طبعًا، وفسَّر الأستاذ "محمود عبد الحليم" ذلك بأنهما كانا قد اتفقا مع كل منهما على العمل على إلغاء "اتفاقية 36" وكلاهما فشل، إلا أن الملِك أعاد تكليف "النقراشي" بالوزارة مرة ثانية، فماذا فعل الإخوان؟!

يقول الأستاذ "محمود عبد الحليم": "وزارة النقراشي الثانية: بعد سقوط وزارة صدقي باشا كان الناس ينتظرون أن تُسند الوزارة إلى شخصية قوية ذات تاريخ وطني مشرِّف، وكان آخر ما يخطر بالبال أن يُستدعى لتأليفها رجل تخاذل أمام الانجليز بمذكرته الضعيفة المتهالكة التي سجلت عليه الخزي والتفريط في حقوق الوطن، ولكن الذي حدث كان عجيبًا؛ فقد اُستدعي فعلاً محمود فهمي النقراشي باشا فألف وزارته الثانية كأن البلاد قد أقفرت مِن الرجال، ومع ما في هذا التصرف الملكي من تحدٍّ لمشاعر الشعب عامة، ومشاعر الإخوان خاصة، فإن الإخوان -إنقاذًا لقضية البلاد وتلافيًا لضياع الوقت الثمين- تناسوا تاريخ الرجل، وسابق فشله، وسوء تصرفه، وتقدَّموا إليه بخطة كاملة ونصيحة مخلصة".

ولتعرف تقييم الإخوان لهذا الرجل اقرأ هذا المقطع أيضًا، والذي يقول فيه الأستاذ "محمود عبد الحليم": "كان النقراشي باشا مِن هذا الطراز... فتولى الوزارة مرتين جرَّ خلالهما على البلاد نكباتٍ لم تمنَ بمثلها مِن قبْل؛ ففي عهده هُوجم الطلبة بالمدافع الرشاشة فحُصِدوا حصدًا؛ إذ هو صاحب موقعة كوبري عباس الثانية التي نَوهنا عن فظاعتها في الجزء الأول مِن هذا الكتاب... وفي عهده ثبَّت الاحتلال البريطاني أقدامه في أرض مصر، وفي عهده ضاعت فلسطين وسُلمت إلى اليهود، وتأسست دولتهم على أرضها، وجلل الجيش المصري الباسل بالخزي والعار لهزائم لا دخل له فيها، ولا ذنب عليه فيما حاق به منها، ولكنها هزائم ورط فيها هذا الجيش نتيجة سوء تصرف هذا الحاكم، وقصر نظره، وفساد تقديره، وتحجر عقله، وارتضائه أن يكون ألعوبة في يد المستعمِر!

وظهرت براعة المتآمرين في اختيارهم منفذ المؤامرة، واقتصرت مهمتهم بعد ذلك على وضع هذا المنفذ على قمة المنحدر، وارتضى هو لنفسه هذا الوضع واهمًا -لقصر نظره- أنه يقعد على أرضٍ منبسطة... وأخذ في الانطلاق؛ فإذا به يتدهور، وكل تدهور يسلمه لما هو أنكى منه، وهو لا يملك مِن أمر نفسه شيئًا، ولا يجد حاجزًا يحجزه فيقف بتدهوره عند حد... حتى تحطم وتحطمت معه البلاد، والمتآمرون يتفرجون فرحين جذلين" اهـ .

قرار حلِّ الإخوان والاعتقالات تطول الجميع ما عدا الأستاذ "حسن البنا":

يحكي الأستاذ "محمود عبد الحليم" أن الأمر انتهى بقرار حل الجماعة، وبدأت حملة اعتقالات لأفرادها، ولكنهم تركوا الأستاذ "حسن البنا" وحده؛ مما جعله -أي حسن البنا- يشك في الأمر، ويطلب مِن الداخلية إما السماح له بالسفر أو الإفراج عن القيادات؛ ليتشاور معهم في كيفية التهدئة أو يلقوا القبض عليه هو الآخر، ولكن الداخلية لم تستجب لشيء من ذلك، وفي رأي الأستاذ "محمود عبد الحليم" قد كان الأمر وراءه عدة أهداف.

الصفحة السابقة الصفحة التالية