حديث د."محمد عبد المقصود" على قناتي الإخوان: "رابعة والجزيرة"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قام الأستاذ "سلامة عبد القوي" باستضافة د."محمد عبد المقصود" على قناة "رابعة" في حوار شامل حول تكييف الوضع في مصر، وهو حوار لم يدَّعِ فيه د."عبد المقصود" أنه يتحدث باسم أحد، وإن كان قد حرص في كل كلامه على الحديث بلغة الجمع نحو قوله: "إن مواقفنا بُنيت على أدلة كذا... "، و"أننا ظـُلمنا في كذا... وكذا... ".
والمستمع للحوار يتأكد تمامًا أن كلاً مِن المذيع والضيف يتحدثان بلسان تحالف دعم الشرعية "الذي تقوده الإخوان"، ولكن السؤال الأهم ليس عمن يتحدث باسمهم د."عبد المقصود"، ولكن السؤال عمن يتحدث إليهم!
وبنظرة متأملة سوف نجد أن شباب الإخوان لا يحتاج إلى مثل هذه الأمور، فالبيعة التي في عنقه لمرشد الجماعة تكفي وتزيد، كما أن الحديث لا يتصور أن يكون موجهًا إلى عامة الناس في ذات الوقت الذي يتهم الضيف فيه عموم الناس بأنهم ما تبعوا "السيسي" إلا حقدًا على الإخوان وحسدًا لهم!
كما أن الحديث عن "استهداف بيوت وسيارات رجال الشرطة"، وإطلاق يد الأفراد في إقامة "حد الحرابة" لا يمكن أن يكون موجهًا إلى العامة، وهم يأنفون من ذلك غاية الأنفة.
ثم إن مقدِّم البرنامج قد طلب صراحة مِن ضيفه بطريقة مباشرة تارة، وبطريقة غير مباشرة تارات أخرى أن يوجِّه حديثه إلى مَن أسماهم بأتباع "ياسر برهامي" -يعني "الدعوة السلفية" و"حزب النور"-.
كما حَرَص د."عبد المقصود" أن يذكِّر المشاهِد بانتمائه السلفي، فيقول مثلاً: "نحن كسلفيين نحفظ هذه الأدلة"، ثم يعود فيقول ردًّا على سؤال حول فتاوى منع النساء مِن الخروج للمظاهرات بقوله: "نحن معشر السلفيين بالغنا في قضية المرأة" إلى آخر الكلام.
إذن فالرجل يوجـِّه كلامه إلى السلفيين بصفة عامة "وأبناء الدعوة السلفية بصفة خاصة"؛ لا سيما وبيانات جماعة "الإخوان" تتوالى في التبرؤ مِن كل الحوادث التي يُستعمل فيها العنف لا سيما تلك التي تستهدف الجنود.
ومنها ما قالته الجماعة في التعليق على حادث "مسطرد" في بيان جاء فيه: "يستنكر الإخوان المسلمون العدوان الإجرامي الذي وقع على إخوانهم وأبنائهم المجندين مِن جنود الجيش في منطقة مسطرد بشمال القاهرة، والذي راح ضحيته ستة من أبناء الوطن، وهم يؤدون واجبهم الوطني، ويسألون الله -تعالى- أن يتقبلهم في الشهداء، وأن يرزق أهليهم الصبر والسلوان".
إن هذا الموقف "المتناقض غاية التناقض" بيْن ما قدَّمته قناة "رابعة"، وما قدَّمه بيان الإخوان ليذكرنا ببيان: "هذا بيان للناس"، وبيان: "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!" اللذين أصدرهما الأستاذ "حسن البنا" يستنكر فيهما مقتل "النقراشي" ويتبرأ مِن الفاعلين، ورغم ذلك ظل أعضاء "التنظيم الخاص" في الإخوان الذين نفذوا هذا الاغتيال يقولون: "إن الأستاذ "البنا" كان راضيًا عن كل تصرفاتهم، وإنما اُضطر إلى إصدار البيان؛ لأن الحكومة ضغطت عليه!".
ذكر هذا الأستاذ "محمود الصباغ" في كتابه عن "التنظيم الخاص"، والذي قدَّم له الأستاذ "مصطفى مشهور" أحد أبرز مرشدي الجماعة عبر تاريخها!
وهذا قد يجعلنا نطرح سؤالاً وهو: هل يرفض الإخوان العنف أم فقط يرفضون أن يُنسب إليهم؟!
وهل يمكن لتيار يرفض العنف أن يستضيف مَن يدعو إليه، ومن يُنظـِّر له؟!
لا أريد في هذا المقام أن أستطرد في حاجة جماعة الإخوان إلى بذل جهود أكبر في بيان الأصول الشرعية التي يستندون عليها في الدعوة إلى السلمية ليُرجع إليها عند النزاع؛ بحيث لا نُفاجأ ببرنامج كبرنامج د."عبد المقصود"، أو نفاجأ بأحد قادة أحزاب دعم الشرعية يقرر أن كل سيارات الشرطة حتى البعيدة عن ساحة المواجهة مع المتظاهرين -وإن كان الاعتداء مرفوض بالكلية- أن أي مواجهة لها بما دون الرصاص فهو سلمية! ويدخل في ذلك "المولوتوف!"، و"قاذفات المولوتوف الهوائية!"، وهي أدوات قد يترتب على استعمالها عدد من القتلى.
والجميع يعلم أن د."عبد المقصود" حينما كان يخصص برنامجه الأسبوعي في قناة "الناس" للسب والشتم في "حزب النور" كنا نسكت؛ حرصًا على عدم إشغال الناس بقيل وقال، غير أن كلام د."عبد المقصود" الآن لا سيما في هذه الحلقة يمثـِّل تأصيلاً لانحرافات فكرية لا يمكن السكوت عليها أو تمريرها، وفي هذا كتمان للنصيحة؛ ليس عن د."عبد المقصود" فقد بذلناها له مرارًا، ولا للإخوان الذين نصحناهم صراحة بمنع د."عبد المقصود"، و م."عاصم عبد الماجد" مِن استعمال الخطاب الذي فيه تلويح بالتكفير والعنف، فقالوا "هم سلفيون مثلكم، وأنتم أقدر على إقناعهم!".
وإنما في هذا كتمان للنصيحة عن شباب سلفي قد يغتر بمثل هذا الكلام، ويترك سيرة دعوة لم تتورط يومًا في تكفير أو عنف كـ"الدعوة السلفية" التي تتهم بهذا مِن رجل لم ينتمِ يومًا إليها، وكان دائمًا خصمًا لها؛ وإن كان يرى نفسه سلفيًّا أو يتبع المنهج السلفي في قضايا قلَّت أو كثرت، ولكن هذه الفتاوى لا علاقة لها بالمنهج السلفي مِن قريب أو مِن بعيد!
هذا وقد تناول حديث د."عبد المقصود" عدة محاور، وبعضها ذكر في مواطن متفرقة من الحلقة، فنجمع أهم ما جاء فيها ونرد عليه ردًّا مختصرًا، مع ملاحظة أن كلام د."عبد المقصود" احتوى على الكثير من التناقضات التي قد يكون في إبرازها غُنية عن الردود الشرعية المفصَّلة على كل منها.
أولاً: حدود السلمية:
خلاصة ما ذكره فيها:
1- عند عزل الإمام العدل يجب سل السيوف، ومِن ثَمَّ فإن القتال هنا كان واجبًا، ثم قال: "ولكن عدلنا عنه لعدم القدرة عليه".
2- أنه يجوز مِن باب الردع حرق بيوت وسيارات رجال الشرطة.
3- أضاف في جزء آخر من الحوار جواز جمع أسماء البلطجية في كل منطقة، وحرق سياراتهم من باب إقامة حد الحرابة، ثم عاد وقال: "إنه من باب دفع الصائل!".
والجواب:
أولاً: أنه قرر مشروعية سل السيوف بناءً على أنه كان هناك حاكم له في أعناقنا بيعة، وحيث إنه تم عزله فيجب القتال لإعادته إذا كان هذا الأمر مقدورًا عليه، وهذا فرع على خطأ وقع فيه عدد من مؤيدي د."مرسي" حينما أغفلوا نوعَ العقد الذي تولى بناءً عليه، وخلطوا بينه وبين "عقد الإمامة" المقرر في كتب السياسة الشرعية "الحديث هنا عن حقائق الأشياء لا عن مسمياتها".