العلمانية والعناد
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان
العلمانية والعناد
مقال: "الأصوليون والاستبداد"
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نشرت صحيفة "أخبار اليوم" في عددها الصادر في 1 جمادى الأول 1426 هجريًّا، 18 يونيو 2005 ميلاديًّا، في باب وجهة نظر مقالا بعنوان: "الأصوليون والاستبداد".
تدور فكرته الرئيسية حول التعارض التام بين الإسلام والديمقراطية، لا فرق في ذلك عنده بين إسلام الإخوان وإسلام السلفيين وإسلام الوسطيين، فهو يرى أن الإسلام والديمقراطية لا يمكن أن يلتقيا -أبدًا-، وقد اختار هو أن ينحاز للعلمانية، والديمقراطية ضد الإسلام الذي من المفترض أنه ينتمي إليه، ونعى على الديمقراطيين اللذين يحاولون الالتقاء مع الإسلاميين أو بمعنى أدق مع الإسلام في منتصف الطريق مسلكهم هذا، واتهمهم بخيانة قضية العلمانية والديمقراطية.
ولما كانت الصحوة الإسلامية تعاني انقسامًا داخليًّا حول قضية المواءمة بين والديمقراطية والإسلام، وكنا نحن من الفريق الذي يرى استحالة الجمع بين هذا الدين الجديد -الديمقراطية- وبين الإسلام، وكل يوم تزداد قناعتنا بهذا الرأي رسوخًا لاسيما ونحن نرى مصير كل من حاول من الإسلاميين الجمع بين الديمقراطية والإسلام، وكيف آل الحال بمعظمهم إلى أن قبلوا بالمناهج الغربية في الحياة بعد إعادة تغليفها بغلاف إسلامي، ومع ذلك فالعلمانيون يأبون إلا أن ينزع الإسلاميون هذا الغلاف الإسلامي.
وهذا الكاتب من هؤلاء الذين يرون التعارض الكامل بين الإسلام والديمقراطية، ويحذر الإسلاميين أنهم حتى وإن خلعوا هذا الغلاف الإسلامي فإنهم بذلك يكونون قد خانوا أصوات الناخبين الذين انتخبوهم بوصفهم إسلاميين!
ونحن إذ نقدم لقرائنا شيئًا مما ورد في هذا المقال؛ فمقصودنا الأعظم من ذلك هو تحذير إخواننا في كل مكان من الاستدراج للقبول بالالتقاء في منتصف الطريق مع العلمانية والديمقراطية الذي يكشف لنا صاحب المقال عن وجهها الحقيقي، وإليك شيئًا مما قاله في التناقض بين الإسلام والديمقراطية:
- أي نظام ديمقراطي لا بد أن تتوافر فيه سيادة الأمة المضادة لمفهوم الحاكمية.
- ولا بد أن يشمل الفصل بين السلطات وهو مبدأ لا يقره نظام الخلافة الراشدة الذي يمثل الصورة المثالية للنظام الإسلامي -لاحظ الكلام على الخلافة الراشدة وليست أي خلافة-.
- والنظام الديمقراطي يقر مبدأ حرية الاعتقاد التي تتعارض مع حد الردة.
ويبلغ قمة البجاحة والوقاحة حيث يقول: "وفي الديموقراطية لا توجد قداسة لأحد، ولا يمكن ذلك في الأصولية التي تقدس الأنبياء والرسل والصحابة وزوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحتى التاريخ الإسلامي".
إذن فهو لم يكتف بمجرد الطعن في التاريخ الإسلامي، بل يريد أن يعطي الجميع حق الطعن حتى في النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه وزوجاته فضلاً عن الصحابة -رضي الله عنهم-.
ثم يقول: "وإذا تخيلنا نجاح زعيم ديني سواء من الإخوان المسلمين أو من الجماعة السلفية، ماذا سيحدث؟، ليس من مجال اختيار أمامه سوى إعلان الدولة الدينية؛ لأنها النوع الوحيد الذي يفرضه الدين -سبحان الله لفهم هذا الرجل للدين وعناده له في ذات الوقت-، وهذه الدول في نهاية المطاف لن تختلف عن دولة طالبان الأفغانية، وإلا سيتبين للذين قاموا بانتخاب هذا الزعيم الديني كذب دعواه بالتدين؛ وإلا لماذا انتخبوه؟!".
يا ليت الإسلاميين الذين يراهنون على أنهم متى وصلوا للحكم سيحكمون بالإسلام، ولا بأس عندهم إلى أن يصلوا أن يقوموا بالتنازل تلو الآخر، يا ليتهم ينتبهون لهذا الأمر.
ثم يلخص لنا الأمر تلخيصا شافيًا، فيقول: "الإنسان في الفكر الديني "عبد" خاضع لهذا الفكر، عليه أن يطيعه جبرًا، والحاكم الذي يتبنى لأي فكر ديني ملزم ومجبر على تنفيذ أوامر هذا الدين".
إذن فالرجل يفهم قضية العبودية للحاكم والمحكوم على حد سواء كما ينبغي أن تكون ولكنه يجحدها بأقصى ما يستطيع، وما أصدق انطباق قوله -تعالى-: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) (النمل:14) ، على هذا الرجل وعلى أمثاله، وهذه الجملة السابقة من كلامه توضح أنه لا يعارض الدولة الدينية بالمفهوم الذي كان سائدًا في العصور الوسطى في أوروبا والتي كان يدعى الحاكم فيها أنه ظل الله في أرضه، ولكنه يعارض الدولة الدينية التي أقامها الخلفاء الراشدون والتي يكون الحاكم فيها "عبدًا" ملزمًا بالشرع الذي هو حاكم عليه وعلى المحكومين.
وبالجملة؛ فإن المقال عظيم الفائدة في بيان تعارض الإسلام والديمقراطية -أو بمصطلح أوسع: العلمانية-، ونحن نضعه أمامك بتمامه للفائدة، ولكن ينبغي أن تقوم بتعديل العنوان من: "الأصوليين والاستبداد" إلى: "الديمقراطية والعناد"، وأن تعدل الفقرة الأخيرة التي وجهها للديمقراطيين الوسطيين قائلاً فيها: "الأصولية قرينة الاستبداد، وأي رأي يرى غير هذا رأي معوج لا يفقه شيئًا في الديمقراطية، بل إنه يسعى لسيادة الاستبداد بدلاً من الحرية في المجتمع"، ونحن نعدل هذه الفقرة؛ لتكون خطابًا للإسلاميين الوسطيين قائلين: "العلمانية والديمقراطية قرينة العناد، وأي رأي يرى غير هذا رأي معوج لا يفقه شيئًا في الإسلام أو في الديمقراطية -أو لا يفقه شيئًا فيهما-، بل إنه يسعى لسيادة الكفر والعناد بدلاً من عبودية المجتمع لله".
وهذه النصيحة وإن كنا نوجهها إلى كل الإسلاميين الوسطيين بصفة عامة فهي موجهة بصفة خاصة للاتجاهات الإسلامية التي كانت تأخذ موقفًا رافضًا للديمقراطية ولكنهم غيروا موقفهم منها؛ -ربما- اغترارًا بأنها صارت نظامًا عالميًّا يصعب مغالبته في حس كثير من الناس، فبدءوا يهادنون الديمقراطية تحت زعم أن الديمقراطية يمكن ترويضها؛ لتوافق مبدأ الشورى الإسلامية، وتناسوا واقع من سبقهم في هذا الطريق، وكأنه قد كتب علينا أن نلدغ من نفس الجحر عشرات المرات، وقديمًا قالوا:"من التعذيب: تهذيب الذيب". ونحن نقول: "من العبث: ترويض الديموقراطية"، وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
نص المقال:
