تهذيب العواطف أو القواصف والعواصف!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد حفظ الله -تعالى- الإسلام بالعاطفة الإيمانية الصادقة من حب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، والعمل لنصرة دينه -سبحانه وتعالى-.
لكن لابد أن تكون العاطفة "مبنية على دليل شرعي، وأن تُزم بزمام العلم الشرعي، ومتى تبيَّن لصاحبها أن الحق خلاف ما هو عليه نسف تلك العاطفة، ورجع إلى عين الحق، وكم مِن عواطف جياشة متدفقة وغيرة مندفعة لم تُزم بزمام العلم الشرعي وقد يكون أصحابها يريدون الخير... لكن كل هذا لا يشفع لصلاح العمل، العواطف بلا علم وضبط تنقلب عواصف" (بتصرف مِن وقفات منهجية تربوية دعوية من سير الصحابة للشيخ عبد العزيز السدحان) .
ومن خصائص أهل السنة والجماعة: "الجمع بيْن العقل والعاطفة: فعقولهم راجحة، وعواطفهم صادقة، ومعاييرهم منضبطة، فلم يغلِّبوا جانبَ العقل على العاطفة، ولا جانب العاطفة على العقل، وإنما جمعوا بينهما على أكمل وجه وأتمه، فمع أن عواطفهم قوية مشبوبة؛ إلا أن تلك العواطف تُضبَط بالعقل، وذلك العقل يُضبط بالشرع" (رسائل الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد في العقيدة) .
وقد قيل: "العاطفة عاصفة؛ إذا لم يكن لها مِن الوحي كاشفة".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "إذا خرج عقلك مِن سلطان هواك؛ عادت الدولة له".
فإذا لم يحصل ذلك، ولم تُهذب العاطفة وتنضبط بالشرع والعقل؛ انقلبت الموازين واختلت المقاييس، وصار التعقل والتروي تخاذلاً وجبنًا، والحماقة شجاعة، وكان الانضباط بالموازين الشرعية خورًا وضعفًا، والفوضى بطولة وقوة!
والاستسلام للعاطفة يحجب المرء عن إدراك الحقائق ورؤية الأمور على ما هي عليه، ويحجب عنه الحكمة التي لابد من استعمالها في وقتها، كما يحجب عنه الحزم الذي لابد من استعماله في مواقف الحزم.
ومن هاهنا يقع ذلك "الخلل المنهجي" الذي اتسمت به كثير من الجماعات والتيارات المعاصرة -إلا مَن رحمه الله وكان على طريقة الكتاب والسنة بفهم السلف رضوان الله عليهم-؛ مما يجعل الكثير يعجب لهذه المفارقة العجيبة، وهذا الخليط مِن الأفكار المتطرفة مِن: تكفير المجتمع، ولغة العنف والصدام مع الدولة ومؤسساتها، وهذا جنبًا إلى جنب مع التهاون بالكليات والبديهيات الشرعية والقضايا الكبرى في الإسلام من أن تكون السيادة لله، والولاء لأهل الإسلام والبراء مِن سواهم، والانتصار لأهل السنة والجماعة "وعلى رأسهم الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-"، وغير ذلك... مرورًا من الاستخفاف بشأن الواجبات والمنهيات الشرعية: كمصافحة النساء، وسماع المعازف والغناء، إلخ.
وهذه المفارقة إنما وقعت لهيمنة هذه العاطفة على أصحابها، وظنهم أنهم -دون غيرهم- حراس الدين والقائمون عليه!
وقد يؤدي هذا الانسياق وراء العاطفة إلى عطب الإنسان وفوات منافعه في أمور الدين والدنيا بغير إضافة أو فائدة تذكر، وقد تصل به إلى نهاية غير كريمة!
فإن المرء متى استسلم لعاطفته المجردة وانساق وراءها؛ ساء سلوكه، واندفع كالسهم لا يلوي على شيء دون روية أو تفكير؛ لا يزن الأمور بميزان الوحي الشريف ولا يقدِّر عواقبها، ويصير منفلتًا لا ضابط له ولا رابط، بل قد يعد المفسدة الظاهرة مصلحة، والمصلحة الشرعية الراجحة مفسدة!
وربما إن سلم مِن ذلك يمتلئ قلبه بالحسرة والألم، ويشعر بالهوان والعجز عن أن يقدِّم شيئًا ينصر به دينه؛ فيقف حائرًا مذبذبًا، وربما قعد عن العمل، وضعف في سيره إلى الله؛ وهذا لجهله بميزان الوحي ومقاصد الشريعة.
فقد جاء الشرع الشريف بضرورة اعتبار المصالح والمفاسد، ومراعاة القدرة والعجز، وتحصيل المصالح ما أمكن، ودفع المفاسد ما أمكن؛ مما يحقق التوازن في حياة المسلم بين العاطفة والسلوك، ويوجِّه العاطفة الوجهة السليمة التي تبني ولا تهدم، وتنفع ولا تضر.
ولم يكلف الله العبد فوق طاقته من إلغاء مشاعره وعواطفه، بل جعل الله لذلك مسلكًا شرعيًّا تقر به نفس المؤمن في سلوكه وحياته سواء بالإيجاب أو السلب تجاه ما يعرض له، فمع قول الله -تعالى-: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ... ) (المجادلة:22) ، قال -سبحانه-: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) .
وقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الولاء للمؤمنين والبراء من المشركين أوثق عرى الإيمان، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أوْثَقُ عُرَى الإِيمانِ: الموَالاةَ فِي الله والمعاداة فِي الله، والحبُّ فِي الله والبُغْضُ فِي الله ) (رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني) ، وبهذا يَعلم المسلم أنه لا يجوز له أن ينساق وراء عاطفته في تولي مَن لم يكن مسلمًا، ومحبته ونصرته؛ لشكله أو ألفته أو غير ذلك، فلا موالاة لأحد لمجرد الألفة والميل، بل لابد أن يكون هذا بموجب الأخوة الإيمانية.
وكذلك مِن بعض صور تهذيب الشرع للعاطفة: قول الله -تعالى-: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) (النور:2) ، فنهى الله -تعالى- عن الرأفة بالزانية والزاني في إقامة الحد عليهما "هذا مع ما في شرع الله مِن الأمر بالرفق والرحمة والرأفة، ومدح مَن اتصف بها"؛ لأن هذا الموطن ليس موطن رأفة، وإنما زجر وحزم؛ لحفظ الأنساب والأعراض، وتنفير الناس عن هذه الجريمة، ولو انساق المرء وراء عاطفته ورقَّ في هذا المقام، وتُركت إقامة الحدود أو حصل التهاون فيها لكان من أعظم الإفساد.