تهذيب العواطف أو القواصف والعواصف!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
وقال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ) (النساء:135) ، وقال -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ) (التغابن:14) .
وبيَّن -سبحانه- أنه ليس في كل وقت يحسن العفو ويجدر الصفح -وإن كان في الأغلب كذلك- إذ لما رغـَّب في العفو قرَن ذلك بالإصلاح، فقال -سبحانه-: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) (الشورى:40) ؛ وهذا لأن العفو أحيانًا لا يكون حميدًا، بل قد يكون أحيانًا سببًا لاغترار بعض المفسدين واستمرارهم على فجورهم إذا لم يُعاقَبوا ويؤخذ على أيديهم؛ فالعفو له محل، والحزم والأخذ بالعقوبة له محل آخر.
وقد يجر الاستسلام للعاطفة على الإنسان حسرة وندمًا كان في عافية منه، ولقد انساق أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- يومًا وراء عاطفته، وتعجَّل في قتل أحد المشركين بعد نطقه بهذه الكلمة العظيمة "لا إله إلا الله"، واعتذر عن ذلك بأن الرجل أعمل القتل في المسلمين، فولـَّد هذا في نفس أسامة -رضي الله عنه- حسرة عظيمة!
فعن جندب بن عبد الله البَجَلي -رضي الله عنه- قال: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: ( لِمَ قَتَلْتَهُ؟ ) قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلانًا وَفُلانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا ، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَقَتَلْتَهُ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إِلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ) قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: ( وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إِلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ) قَالَ: فَجَعَلَ لا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: ( كَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إِلا اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟! ) (رواه مسلم) .
فشق ذلك على أسامة -رضي الله عنه- جدًّا حتى تمنى أنه لم يشهد تلك الوقعة حال إسلامه، وإنما فعها حال كفره ثم أسلم؛ لأن الإسلام يجب ما قبله! فقال -رضي الله عنه- : "فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ" (رواه مسلم) .
وقد ذكر الله لنا في كتابه الكريم موقفًا لامرأة نابهة استعملت لغة العقل والحكمة، وكان خطابها لأتباعها الذين أظهروا القوة والبأس وقدرتهم على محاربة سليمان -عليه السلام- خطابًا رصينًا هادئًا فيه إعمال العقل، ورؤية الواقع بحقائقه وأبعاده.
قال الله -تعالى- عن "بلقيس" ملكة سبأ عندما وصلها كتاب سليمان -عليه السلام-: ( قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ . إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) (النمل:29-31) ، ويبدو أنها استدلت على تَمكُّن سليمان -عليه السلام- وقوته بتسخير الطير له، وبطريقة إلقاء الرسالة إليها عن طريق "الهدهد المهذب" الذي تولى عنها واحتجب منها؛ ولذلك وصفتْ الكتاب بأنه ( كِتَابٌ كَرِيمٌ ).
ولما قالوا لها: ( نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ) (النمل:33) ، كان منها التعقل والتروي واستعمال السلم قبل الحرب، فقالت: ( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) (النمل:34-35) .
فكان هذا منها مع كونها امرأة، وكونها متبوعة ومطاعة، ومع ذلك لم تغلب عليها عاطفتها، بل حرزت جندها، وأرادت وقايتهم وعدم اصطلامهم في مواجهة مَن لا قِبَل لهم بمواجهته وحربه دون مصلحة وفائدة تُرجى.
وهذا ما يجب أن يكون عليه كل مسئول ومتبوع.
قال طاوس -رحمه الله-: "أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَلا أَقُومُ إِلَى هَذَا السُّلْطَانِ فَآمُرُهُ وَأَنْهَاهُ؟ قَالَ: لا تَكُنْ لَهُ فِتْنَةٌ، قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ أَمَرَنِي بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ الَّذِي تُرِيدُ، فَكُنْ حِينَئِذٍ رَجُلاً" (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) .
وقال سعيد بن جبير -رحمه الله-: "سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: أَمِيرِي آمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ، فَلا" (أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي في شعب الإيمان) .
وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "لا يَتَعَرَّضُ لِلسُّلْطَانِ، فَإِنَّ سَيْفَهُ مَسْلُولٌ" (الآداب الشرعية لابن مفلح) .