تهذيب العواطف أو القواصف والعواصف!
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
وهذا إلا أن يترتب على ذلك ظهور للدين وإعزاز له، وغلبة المصلحة الشرعية؛ فحينئذٍ يأتي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ ) (رواه الحاكم والطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وبسبب الانفلات في ضبط العواطف رأينا مَن يدعي حرصه على نصرة الإسلام والتمكين له مع مخالفته للإسلام نفسه مِن الاجتراء على التكفير والتخوين وانتهاك الحرمات؛ كإفتاء د."محمد عبد المقصود" أن مَن علِم اعتداء أحد الضباط على امرأته أو أخته باغتصاب جاز له قتله! وجاز له استهداف وحرق بيوت وسيارات من علم تورطه في ذلك من ضباط الشرطة بزعم ردعهم؛ مما يفتح الباب على مصراعيه للجرأة على الدماء والاعتداء على الحرمات، ومعلوم لكل عاقل أن الحرق والتدمير لا يردع أحدًا، بل يزيد حنق الحانقين وغضب الغاضبين، وما دعا إلى حرقه وإتلافه: إما أموال عامة ملك لعموم المسلمين أو أموال خاصة لأصحابها لا يجوز انتهاك شيء منها؛ لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ) (متفق عليه) ، والأعجب محاولته تأصيل هذا الحرق والتدمير بأنه لا يتعارض مع السلمية، بل هو منها!
هذا غير تخوينه لكل معارض له ومخالف، والسب والشتم، والاتهام بالباطل لقطاعات عريضة من أهل الإسلام، بل مِن صفوة المسلمين من العلماء والدعاة إلى الله، والافتراء عليهم.
بل وصل الحال بالدكتور "محمد عبد المقصود" بعد أن دأب على اتهام فضيلة الشيخ "ياسر برهامي" بسائر التهم المختلفة والمتنوعة، وبـ"وثاق سحرية" لا يراها ولا يقرأها إلا هو! وتحميله للشيخ ياسر مسئولية كل ما يحصل للشعب المصري، وجزمه بعمالة الشيخ لأمن الدولة في "إصرار عجيب" يبدو معه أنه لو نفى الجميع ذلك "وفي مقدمتهم أمن الدولة"، وبرأ العالم كله الشيخ "ياسر" - لأصر د."محمد عبد المقصود" على أن الشيخ "ياسر برهامي" عميل لأمن الدولة على طريقة "عنزة ولو طارت!"؛ مما يذكِّر من وجهٍ بالخطيئة الأصلية عند النصارى؛ إذ لم يبقَ إلا أن يقول: إن الشيخ "ياسر" عميل لأمن الدولة بفطرته، ومذ كان في مهده!
فإضافة إلى ذلك خرج علينا د."محمد عبد المقصود" على رؤوس الأشهاد ليتهم الشيخ "ياسر برهامي" في جرأة عجيبة باتهام مِن نوع جديد، أثار ضحك الجميع قبل سخطهم؛ حيث اتهم فضيلة الشيخ "ياسر برهامي" بتكوين "ميليشيات"...
والهدف منها: "محاربة التيار الإسلامي!".
إيْ والله!
بهذا رَمَى د."محمد عبد المقصود" الشيخَ "ياسر برهامي" الذي ما شُوهِد مثله في همته وسعيه وبذله في الدعوة إلى الله، وإسداء النصح للجميع؛ مَن وافقه ومَن خالفه!
وما أظن أن مَن عرف الشيخ وتتلمذ عليه يستطيع أن يدفع في هذا المقام أن يتردد في نفسه قول الحافظ الذهبي في شيخه ومعلمه ابن تيمية: "وهو أكبر من أن ينبِّه على سيرته مثلي، فلو حلفتُ بين الركن والمقام؛ لحلفت أني ما رأيتُ مثله، وأنه ما رأى مثل نفسه!".
فحسبنا الله ونعم الوكيل!
ولا ندري متى انتصر الإسلام عبر عصوره بهذه الطريقة؟!
ومتى مُكِّن للمنتسبين إليه -الذين يزعمون أنهم يسعون لنصرته وللتمكين له- بقول الزور والإفك، والافتراء المحض دون حتى شبهة دليل؟!
وهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ما كان عليه مِن كمال العدل والإنصاف، والسلامة من الضلالة والغواية، ما كان يأخذ أحدًا بشائعات وأقوال مرسلة، بل كان ينهى عن الظن، وأن يحدث المرء بكل ما يسمع، بل لما أشاع المنافقون ما أشاعوا عن عائشة الطاهرة -رضي الله عنها- ما زاد النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن قال لها "مع عظيم حبه لها وتأثره بما قيل": ( أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ ) (متفق عليه ).
وما كان -صلى الله عليه وسلم- يأخذ أحدًا بغير بينة شرعية، فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَتِ امْرَأَةٌ تُظْهِرُ فِي الإِسْلاَم ِالْسُّوْءَ، فَقَالَ الْنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُ هَذِهِ ) (رواه البخاري) .
وهذا مع امرأة ظهر منها السوء بالفعل وليس مجرد شائعات أو ظنون، فمع عاطفته الإيمانية وغيرته -صلى الله عليه وسلم- على محارم الله -تعالى-؛ لم يرجم هذه المرأة، ولم يتجاوز حدود الله -تعالى- في ذلك.
فأين الدكتور "عبد المقصود" ومَن على شاكلته مِن ذلك؟!
إن الواجب على مَن كان صادقًا في إيمانه وناصحًا لأمته حقًّا ومخلصًا لها أن يدرك ما يمكن أن تؤدي إليه إثارة عواطف الناس من شرور ومفاسد "إن لم تُحكم بالشرع وتنضبط به"، وهذا إن كان بالحق؛ فكيف لو أثيرت هذه العواطف بالباطل والزور؟!
فيترتب على ذلك مزيد انشقاق واختلاف في الأمة، هذا غير تأخر الدعوة إلى الله وردها إلى الخلف سنوات طويلة، فيتحمل مَن تسبب في ذلك إثم ووزر ما تسبب فيه مِن فتنة الناس وتنفيرهم، ( فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (النحل:94) .
فليتق كل امرئ ربه في أمته وفي دينه، وليقتدِ بهدي نبيه -صلى الله عليه وسلم- وسنته، فلابد أن تكون الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ لا بإرهاب الناس وتنفيرهم، وسبهم والافتراء عليهم.
ولابد لكل منا أن يزم عاطفته بزمام الشريعة وميزان الوحي، ومتى بدا له أنها خلاف ذلك الميزان نسفها نسفًا... وعاد إلى ما يجب عليه من اعتبار المصالح والمفاسد، واحترام الموازين الشرعية.