جذور اختلاف الإسلاميين في أحداث "30-6" وما تعلق بها
غريب أبو الحسن • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تباينت مواقف التيارات والجماعات الإسلامية المختلفة في أحداث "30-6" وما تعلق بها، بيْن مصادمٍ لمجتمعه متوافق مع جماعة الإخوان المسلمين، وبين معتزل للأحداث كلها، وبين منحاز لمجتمعه، مشتبك مع قضاياه، ساعٍ في إصلاحه قدر المستطاع.
والمتابع للشأن الإسلامي أو المصري يسمع كل يوم عن تيارات وجماعات... فيسمع عن جماعة الإخوان المسلمين، والجهاديين والتكفيريين، والقطبيين والسروريين، والجماعة الإسلامية، ويسمع في المقابل عن السلفيين؛ فيسمع عن "الدعوة السلفية"، والسلفيين الفرديين، وجماعة أنصار السنة، وسلفيي القاهرة الفرديين، ويسمع كذلك عن بعض الشباب السلفي المستقل، فالساحة المصرية غنية بالتيارات والمناهج والأفكار؛ صالحها وطالحها.
وقد يتساءل البعض عن سبب اختلاف الإسلاميين واختلاف مواقفهم!
وللجواب عن ذلك: دعونا نتتبع مواقف هذه التيارات والجماعات، ونسبر أغوارها؛ حتى ندرك جذور هذه الخلافات، والتي سنفاجأ بأنها خلافات قديمة، وأن الجميع تقريبًا متوافق مع أصوله وخياراته السابقة.
أولاً: الجذور الفكرية للخلاف:
يمكن أن تقسَّم التيارات الإسلامية في مصر مِن حيث المرجعية الفكرية إلى تيارين كبيرين:
الأول: تيار مرجعيته الأستاذ "سيد قطب" -رحمه الله-.
والثاني: تيار مرجعيته شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله-.
- تيار سيد قطب: "التيار القطبي وروافده":
كان لبروز "سيد قطب" ولكتاباته الأثر الكبير في توجُّه شريحة مِن التيار الإسلامي للمفاصلة مع مجتمعاتهم، ومِن ثَمَّ الصدام معها، فملخص فكر "سيد قطب" هو أنه يرى أن مجتمعاتنا المعاصرة مجتمعات جاهلية ينبغي الصدام معها ومفاصلتها دون حساب للتبعات! فما عليك إلا أن تعمد إلى ذلك الصدام، وسينزل عليك نصر الله في يوم ما!
وقد التمس بعضهم العذر لـ"سيد" -رحمه الله- في أنه لم يضبط عباراته بالمصطلحات الشرعية؛ لأنه كان أديبًا أكثر منه عالمًا، ويحمِّل بعضهم "سيد" كل ما أصاب الأوطان مِن صدامات ودماء مستدلين على ذلك بثمار دعوة "سيد قطب" وتلامذته.
ويسعك أن ترسم دائرة، وتكتب فيها "سيد قطب"، ثم تخرج منها الأسهم الآتية:
1- شكري مصطفى: تلميذ سيد قطب المباشِر، وزعيم تنظيم التكفير والهجرة، وكان أوضح بكثير من سيد قطب، وبعبارات صريحة في تكفير المجتمع، وأنه مجتمع كافر، وجماعة التكفير جماعة متشظية سريعة الانقسام؛ لذلك هم موجودون عشرات في بعض المحافظات، إلا أنهم بضعة آلاف في شمال سيناء.
2- التيار الجهادي: وهم يرون أنهم الورثة الشرعيون لفكر "سيد قطب" والأوفياء لمنهجه، ولا يصير الجهادي جهاديًّا إلا بعد دراسة كتاب: "معالم في الطريق" لسيد قطب، والذي يحتوي على خلاصة فكره.
3- "مجموعة 65": وهي المجموعة التي سُجنت مع "سيد" في محنته من الإخوان المسلمين والتي تشربت فكره ومنهجه، وخاضت صراعًا عنيفًا مع التيار "البناوي" بالجماعة حتى استطاعت إقصاءه، وسيطرت على مقاليد الأمور بالجماعة، ووضعت منهجها التربوي والفكري الذي أفرز لنا ما نراه من سلوكيات يندى لها الجبين، ورغبة محمومة في الانتقام من مجتمعهم، وهم الذين قادوا الجماعة بعد وصولها للسلطة، واصطدموا بها مع كل مؤسسات الدولة وكل القوى السياسية، وهم الذين يقودون الجماعة الآن في صدامها مع الدولة بعد فقد الجماعة للحكم.
4- محمد قطب: الأخ الأصغر لسيد قطب، والذي له دور كبير في نشر فكر سيد قطب، وتنسب له التيارات القطبية ورموزها، وما "الجبهة السلفية" إلا امتداد لتلك الجهود "والجبهة السلفية: مجموعة من الشباب القطبي مِن المنصورة، يقدَّر أتباعها بالعشرات؛ فلا هي جبهة، ولا هي سلفية!".
وكان لمحمد قطب كذلك أثر كبير في ظهور "التيار السروري"، وهو مزيج من الدعاة السلفيين والقطبيين سواء بالسعودية أو قطر أو الكويت، وفرعهم داخل مصر، ويميلون إلى التماهي مع جماعة الإخوان المسلمين حيث تحالفوا معها في كل الاستحقاقات الانتخابية مثل: "حزب الإصلاح"، ومِن رموز التيار السروري في مصر: د."هشام عقدة" بدمنهور، ود."محمد يسري إبراهيم" بالقاهرة، وأحمد فهمي المقيم بالسعودية وهو عضو الهيئة العليا بحزب الإصلاح.
وقد فشل التيار السروري في إيجاد عمل منظم له انتشار، وإن كان له بعض التواجد في مركز دمنهور، وخلاصة فكر محمد قطب هو إعادة لترديد كلمات سيد قطب؛ إلا أنه صرَّح بأن الناس ثلاثة أصناف: مؤمن معلوم الإيمان، وكافر معلوم الكفر، وكتلة مجهولة الحكم أو متميعة لا يشغلون أنفسهم بالحكم عليها، وحقيقة هذا عدم الحكم بالإيمان ولا بالكفر.
5- عبد المجيد الشاذلي: وهو عضو أسرة سيد قطب، ورفيق زنزانته ومحاكمته، وهو رأس جماعة "التوقف والتبيُّن"، ويرى كذلك أن الناس ثلاثة أقسام: مؤمن، وكافر، ومجهول الحكم "موضع لوث يُتوقف فيه" لا يحكم له بالإسلام حتى يُختبَر في الحكم، والولاية، والنسك! وجماعة التوقف والتبين غير منتشرة؛ إلا أنها تقدر ببضعة آلاف في شمال سيناء.
إذن فتلك الجماعات مِن إخوان مسلمين، وسروريين، وقطبيين -كالجبهة السلفية-، وتوقف وتبين، وجهاديين، وتكفيريين... موقفهم من الأحداث وانجرافهم نحو الصدام مع المجتمع ليس مفاجئًا، بل هو متوافق تمامًا مع المرجعية الفكرية لهم، فقد خرجت كلها مِن نفس المصدر، وإن كان هناك فارق في أحجام تلك الجماعات وانتشارها، فالإخوان المسلمون يمثلون غالب التيار القطبي في مصر.
تيار ابن تيمية -رحمه الله- "التيار السلفي":
ابن تيمية -رحمه الله- هو علامة فارقة في تاريخ المسلمين، فقد أحيا منهج أهل السنة والجماعة وأزال عنه الغبار، وأوضح معالمه ونشر أصوله، وأكد لتلاميذه أن أهل السنة يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وقد حارب بدع التكفير والإرجاء، وسائر أنواع البدع، وعاش في ظروف غاية في الصعوبة، ورغم ذلك ضبط قضايا الإيمان والكفر، ورسم لمن خلفه طريقًا آمنًا يضيئه نور الوحي.
ويسعك أن ترسم دائرة وتكتب بها "ابن تيمية"، وتخرج منها الآتي: