شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

جذور اختلاف الإسلاميين في أحداث "30-6" وما تعلق بها

غريب أبو الحسن • المنهج السلفي

1- الدعوة السلفية: وهي أكبر الكيانات الإسلامية العاملة في مصر، والتي تمارس العمل الجماعي منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولها منهجها الفكري المتكامل التي ربت عليه أبناءها، ولها مجلس شورى يضم رموزها بكل محافظات الجمهورية، ولها مجلس إدارة قائم على شئونها، وتنتهج الدعوة السلمية طريقًا لها، وترى أن رسالتها هي تعبيد الناس لرب العالمين "عبودية فرد، وعبودية أمة"، وهي تختلف عن الإخوان المسلمين في كونها جماعة غير معسكرة، وليس عندها بيعة، ومنهجها هو منهج أهل السنة والجماعة.

وأيضًا ليس لها ارتباطات إقليمية ودولية كما هو الحال عند جماعة الإخوان المسلمين، وكان "نظام مبارك" يحول دون تحولها لجمعية رسمية؛ إلا أنها بعد الثورة وزوال السلطة الدكتاتورية استطاعت أن توفق أوضاعها، وتتحول لجمعية رسمية.

2- أنصار السنة: وهي جمعية خيرية تنتهج منهج أهل السنة والجماعة، وقائمة على إدارة العديد من المساجد والأنشطة الخدمية، ولها أثر في محاربة بدع القبور، وغيرها، وليس لها إطار تنظيمي محكم، وهناك تنامٍ للتيار المدخلي بها.

3- السلفيون الفرديون: وهم بعض علماء الحديث والدعاة ممن اشتهروا بعد انتشار القنوات الإسلامية، وهؤلاء لم ينشئوا كيانًا، ولم يسعوا لذلك، بل بعضهم يرى أن العمل الجماعي بدعة، والبعض الآخر لا يمارسه بصورة عملية، وإن كان لهم فضل في انتشار السمت الإسلامي، ومعاني الالتزام بالدين بشكل عام.

4- بعض الشباب السلفي المستقل مِن طلبة العلم: ممن يتبنى منهج أهل السنة والجماعة، ويتفق مع المشايخ الفرديين في عدم ممارسة العمل الجماعي؛ إلا أنهم يفتقدون الأثر الدعوي الواضح والمؤثر، ويكتفون في مجملهم بالتواجد في العالم الافتراضي.

5- سلفيو القاهرة الفرديون: لا يأخذون بالعمل الجماعي، ولم ينجحوا في إنشاء كيان، ويختلفون عن غيرهم من المشايخ الفرديين السابقين في أنهم ليس لهم الأثر الدعوي كسابقيهم، وأنهم يميلون نحو الفكر القطبي والسروري بما يحملانه من جرأة على التكفير وتسرع فيه بالظن، والذي ظهر جليًّا أثناء وبعد تلك الأحداث.

والحقيقة: إن معظم التيارات السلفية تنتهج الدعوة السلمية، وتنبذ العنف، وتتجنب الصدام مع الأنظمة -إلا ما حدث في الفتنة الأخيرة-، وترى أن أولى أولوياتها هي إيجاد الشخصية المسلمة مكتملة الأركان، والتي هي نواة التغيير للعودة إلى ما كان عليه سلف الأمة.

ولكن هل خالف أحد مِن السلفيين هذه الرؤية؟

وهل دعَّم أحد منهم جماعة الإخوان في صدامها مع المجتمع؟!

حاول الإخوان أن يصوروا أن التيار السلفي كله معهم، وأن "الدعوة السلفية" وحدها هي التي تصر على عدم الصدام! ولكن حقيقة الأمر غير ذلك، فإن "الدعوة السلفية" -كما أسلفنا- هي الثقل الحقيقي وسط السلفيين، وهي تمثل السواد الأعظم منهم، وكان موقف جماعة أنصار السنة قريبًا من ذلك؛ إذ رفضوا الصدام وصرَّحوا بذلك، وكان كذلك موقف معظم المشايخ السلفيين الفرديين، والشباب السلفي المستقل، وإن مالوا لاعتزال المشهد؛ إلا أنهم لم ينجرفوا للصدام، ومَن تسرع وأفتى بالنزول أو نزل تدارك خطأه سريعًا بعد أن أدرك ضعف قراءته للمشهد.

ورغم جسامة الأحداث وعظم البلاء إلا أنه كان للمنهج السلفي أثره على منتسبيه من دعوة سلفية، وأنصار سنة، ورموز فردية، وشباب مستقل؛ فكانت أخلاقهم أفضل الأخلاق، ولم ينزلق منهم إلا القليل -ولله الحمد-.

ويبقى أن هناك أسبابًا وراء خلاف بعض السلفيين لهذه الرؤية والانضمام للإخوان، فمن هذه الأسباب: التحاسد والتباغض، فالبعض يرى غيره من السلفيين وقد صار لهم كيان ظاهر ونشاط ملفت، وقد كان يعتقد أنه وهُمْ فَرسي رهان، بل يرى أنه أعلى منهم كعبًا وأعظم أثرًا، ولكن مع وجود اختبارات حقيقية؛ علم حجم الفارق بيْن مَن كان يبني قبل الثورة رغم صعوبة الظروف مِن خلال عمل جماعي منظم، وبين مَن اكتفى بالعمل الفردي؛ وبدلاً مِن التعاون معهم رفع شعار: "لستُ وحدي فاشلاً، بل كلنا فاشلون ولا نصلح، والإخوان هم رجال المرحلة!".

والبعض منهم كان خلافه إداريًّا محضًا؛ فترك لنفسه العنان وتحول خلافه إلى خلاف فكري، والبعض ومع نجاح ثورة "25 يناير" في الإطاحة بـ"مبارك" غلبت ثوريته سلفيته، وأصبح الفعل الثوري مقدَّمًا على العمل التربوي البنائي.

يبقى أنه لم يخالف إلا نزر يسير، وهم طائفة مِن مشايخ القاهرة الفرديين لنزوع سابق نحو التكفير، ولما أسلفنا، وقيادي واحد فقط مِن "الدعوة السلفية" الذي كان خلافه مع الدعوة إداريًّا حيث كان يرى بأحقيته في رئاسة الدعوة؛ لأنه يرى أنه مؤسسها!

وزادت حدة خلافاته -هذا القيادي- بعد انتخاب مجلس الإدارة الحالي، ورغم أنه اُنتخِب كنائب ثانٍ لرئيس الدعوة؛ إلا أنه -وبدفع مِن الإخوان المسلمين- غرَّد وحده بعيدًا عن مجلس إدارتها، ثم تحول هذا الخلاف الإداري إلى خلاف فكري مع تطور الأحداث، ولكَ أن تستمع لخطبته على "منصة النهضة" ليلة فض الاعتصام وهو يتحدث أن المعركة معركة إيمان وكفر، وأن المعسكر الآخر كله ملحدون، وأن الرصاصة التي تأخذها في صدرك خير مِن التي تأخذها في ظهرك! ثم اقرأ بعد ذلك كتابه: "تحصيل الزاد لتحقيق الجهاد"؛ لتعلم مقدار التغير الذي حدث!

وهناك سؤال آخر: لماذا مالت شريحة من التيار السلفي نحو اعتزال المشهد؟ ولم يكن لها دور إيجابي كالدعوة السلفية أو حتى كأنصار السنة من حيث التحذير من الصدام مع المجتمع؟

وسبب ذلك: أن هذا الاختلاف في مواقف الطيف السلفي له جذور؛ مَن أدركها لن يفاجأ بهذه المواقف، وهذا التباين...

أذكر منها:

- الموقف مِن العمل الجماعي: لممارسة العمل الجماعي الأثر الجيد في اتخاذ القرار الأصوب، فمن مارس العمل الجماعي يتعلم كيف يتنازل عن رأيه لرأي المجموع، ويتعلم أن رؤيته الشخصية ليست هي نهاية المطاف، بل حينما توضع إلى جوار رؤية غيره يرى ما فيها من نقص؛ مما يساعد في الوصول لرؤية جماعية تكون عادة هي الأقرب للصواب، والعمل الجماعي يجعل صاحبه عنده إدراك جيد لموازين القوى مِن حوله، وبالتالي اتخاذ القرار الأصوب.

الصفحة السابقة الصفحة التالية