جذور اختلاف الإسلاميين في أحداث "30-6" وما تعلق بها
غريب أبو الحسن • المنهج السلفي
كما أن العمل الجماعي يقي صاحبه من التغرير به أو اللعب على عاطفته، ولك أن تقارن بيْن موقف "الدعوة السلفية" مِن ترشُّح "حازم أبو إسماعيل"، وقرارها الجماعي بعد دراسة وتشاور أنه لا يصلح، وكيف هرول العديد من السلفيين خلفه؛ فقط لأنه دغدغ مشاعرهم!
وعلى العكس مِن ذلك... فالعمل الفردي هو أصلاً نوع من الاعتزال، ويجبِر صاحبه على الاعتزال؛ فماذا يفعل صاحب العمل الفردي وسط الكيانات والقوى المتصارعة إلا الاعتزال؟! فاعتزال المشهد يكاد أن يكون خيارًا واحدًا أمام صاحب العمل الفردي؛ خاصة مع الأحداث الجسام.
- العمل مِن خلال كيان: العمل من خلال كيان هو ثمرة للعمل الجماعي المتصل، والذي يعمل من خلال كيان يراعي أثر قراره؛ ليس على نفسه فقط، ولكن على نفسه، وعلى كيانه المنتمي له، والذي ينصر الدين من خلاله.
وعلى الرغم من أن الفرد أخف في الحركة من الكيان إلا حركته نادرًا ما يلتفت لها أحد، ولكن حينما يتحرك الكيان ينتبه الجميع ويحسب لهذا الكيان ألف حساب.
والذي يعمل منفردًا ولم يسعَ لإنشاء كيان هو بالفعل قد أخذ قرارًا بالاعتزال، وغاية ما يمكن فعله هو التعليق على أفعال الكيانات الفاعلة مِن استحسان بعضها ونقد للبعض الآخر.
والكيانات لا تُبنَى مِن خلال "صفحات الفيس"، ولا بالمواعظ والخطب الرنانة، ولكن تبنى بالسعي، والخلطة، والتربية، وإنفاق الأعمار والأوقات.
- الدعوة للإسلام بشموله: عملت الدعوة السلفية قبل الثورة على الدعوة إلى الإسلام بشموله؛ فلم تتوقف عن الكلام عن الحاكمية وضرورة تحكيم الشريعة، والولاء والبراء، وأحكام الجهاد بفهمها الوسطي المعتدل؛ ولذلك مُنِع رموزها من الظهور على شاشات الفضائيات.
ورغم ما كان للفضائيات الإسلامية ورموزها مِن أثر في انتشار السمت الإسلامي إلا أن قصْر الحديث على أعمال القلوب، والأخلاق، والسِّير، وترك الحديث في كثيرٍ من القضايا المهمة - هو في الحقيقة نوع مِن الاعتزال، وإذا ما ألمَّت بالمجتمع أحداث جسام كالتي نعيشها؛ فهذا النمط من الدعوة والدعاة أقرب للاعتزال منه للاشتباك مع تلك القضايا التي دأب على النأي بنفسه عنها.
- الخوف من النقد وعدم الرغبة في دفع ضريبة اتخاذ مواقف حاسمة: أخذ الله الميثاق مِن الذين أوتوا العلم أن يبينوه للناس ولا يكتمونه؛ لذا فواجب على العالِم أن ينصح لأمته؛ رضي مَن رضي، وسخِط مَن سخط، ولكن في ظل تلك الظروف الراهنة، وفي ظل ماكينة "تشويه السمعة" الإخوانية، وفي ظل رضا بعض مَن كانوا ينتسبون للعلم أن يكونوا أداة سب تَقذِف بها الإخوانُ كل مخالفيها؛ مال بعض العلماء والدعاة للاعتزال، وأنا أعلم أن نية بعضهم وقد رأى جميع السفن تحترق -أو ظن ذلك- أن يدخر سفينته؛ علها تقل بعض الغرقى حينما تهدأ الريح، وإن كنتُ أختلف مع تلك الرؤية؛ فالناس في الريح أحوج لمن ينقذهم لا بعدها.
- وكذلك خوف بعض مشاهير الدعاة أن يخسر بعض محبيه إذا تبنى هذا الموقف أو ذاك: ويرى أن الأحداث الحالية سوف تمر، ولا يريد أن يفقد بعضًا مِن رصيد محبيه ومتابعيه؛ لذا قرر الاعتزال، وإن كان بعضهم يُسرُّ بموقفه دون الجهر به.
- دراسة القضايا المنهجية والفكرية: والتي تمكِّن صاحبها مِن معرفة المنطلقات الفكرية للتيارات المختلفة، وتمكنه مِن تقييم الجماعات العاملة في الساحة تقييمًا منصفًا دون إفراط أو تفريط؛ فلا ينخدع بعبارات عاطفية أو ثورية تُخفي خلفها مناهج بدعية.
موقف الجماعة الإسلامية:
أخرتُ موقف الجماعة الإسلامية لما فيه مِن لبس واشتباك...
فالجماعة الإسلامية تبنت الصدام مع النظام الأسبق، وإن كانت تختلف عن تنظيم الجهاد في كونها لم تكفـِّر النظام، ولا رجال الشرطة، ولا الجيش؛ لذلك كان قيامها بمراجعات أيسر من غيرها.
والجماعة الإسلامية ليس لها وجود تقريبًا في الوجه البحري أو القاهرة الكبرى، ولها بعض القواعد في بعض محافظات الصعيد، واللافت للنظر أن تلك القواعد بالصعيد لم تشارك في مظاهرات الإخوان، وهناك قدر كبير من التنسيق بينها وبين القوى الأمنية!
وأيضًا هناك رموز تاريخية ترفض الصدام مع المجتمع، مثل: ناجح إبراهيم، وكرم زهدي، وعبود الزمر، ومفتي الجماعة عبد الآخر حماد.
ويبقى أنه يخالف جسد الجماعة ورموزها التاريخية بعض القيادات صاحبة الصوت العالي، مثل: عاصم عبد الماجد، وعصام دربالة، وطارق الزمر، وصفوت عبد الغني، وغيرهم... مما يحتاج لتفسير وتساؤل حول الموقف الحقيقي للجماعة الإسلامية.
أما جمهور الإسلاميين فقد تُرِكوا نهبًا للإخوان، ولباقي التيار القطبي يسوقونهم وقودًا لمعركة فاشلة لاستعادة سلطة زائلة، ولم يأخذ بحجزهم إلا "الدعوة السلفية" التي استطاعت -بفضل الله- تحريز شريحة كبيرة مِن أبناء التيار الإسلامي وسط صمتٍ مهيب مِن غالب الرموز السلفيين! وهذا رغم ما تعرضت له "الدعوة السلفية" -ولا تزال- مِن طعن وتشويه.
فإلى أبناء الدعوة السلفية "العمود الصلب للتيار السلفي في مصر"...
أعلم ما في حلوقكم مِن غصة وألم مِن بعض الرموز السلفية التي لم تدعمكم فيما سبق من استحقاقات وانتخابات حينما شارك بعضكم في تأسيس "حزب النور"، وكذلك حينما هاجمكم "الإخوان" وأعوانهم في الداخل والخارج، ورموكم بالعمالة والخيانة والنفاق، بل والردة! ولم تسمعوا مِن هؤلاء الرموز دفاعًا ولا إنكارًا؛ رغم علمهم ببطلان هذه التهم! فلعله مِن تمام أجركم، ولا يدفعكم ذلك إلى الانتقاص منهم، بل لا ننسى فضلهم وسبقهم، وأنهم كانوا هداة للناس، والحفاظ عليهم من الحفاظ على الدين، بل والذب عن أعراضهم، وإنزالهم منازلهم.
ويبقى أن نقول: إن مِن أهم ما يميز "الدعوة السلفية" هي أنها تمارس العمل الجماعي منذ عشرات السنين مما أكسبها مزيدًا من العلم والخبرة، وإدراك موازين القوى بشكل جيد، والقدرة على التنبؤ بمآلات الأمور، واتخاذ قرار جماعي شوري، مما يلزمها باستمرار النصح للتيار الإسلامي، ومحاولة الحفاظ على مكتسباته؛ حتى وإن حاول تدميرها الأبعدون، ولم يفهم قراراتها بعض الأقربين.