شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإخوان بين التيار "البناوي" والتيار "القطبي" وجيل السبعينيات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه دراسة مختصرة بعنوان: "الإخوان بين التيار البناوي والتيار القطبي وجيل السبعينيات" دعتْ إليها الحاجة الماسة لمعرفة حقيقة موقف التيارات المختلفة لجماعة الإخوان من قضايا التكفير والعنف؛ غرضها تبصير إخواننا بهذه القضية، والتأكيد على حرصنا غاية الحرص على أن يعود الجميع إلى رشدهم قبل فوات الأوان!

تمهيد: الإخوان بين الواقع والتاريخ:

كان للإخوان تاريخ مليء بالآراء والمواقف التي تحتاج منهم قبل غيرهم أن يقفوا منها موقف الناقد؛ ليستفيدوا هم وتستفيد الحركة الإسلامية بعد ذلك مِن هذه التجربة، ولكن الذي منع من إجراء مثل هذه المراجعات أن حركة الإخوان كانت قد تعرضتْ إلى ضربة أمنية قاسية وشاملة في 1965م جعلت أن الإخوان لا يُذكَرون إلا مع البكاء والإشفاق، مع كثير من الإعجاب والاحترام لثبات هؤلاء الرجال!

وزاد هذا الإعجاب عقب خروجهم من السجن في عام 1975م حيث خرجوا بعد كل هذه السنوات من السجن إلى ساحة الدعوة مباشرة، ورأى الناس منهم سماحة غير معتادة قط مع أقوام غيِّبوا وراء الأسوار فترات طويلة!

واستطاع الإخوان من خلال هذه الصورة أن يجذبوا إليهم معظم قيادات العمل الطلابي الذي كان قائمًا آنذاك، وانطلق الإخوان منذ هذه اللحظة يعملون في إصلاح المجتمع وتقديم العون له من خلال الجمعيات الخيرية والعمل النقابي، ثم دخلوا في غمار السياسة فكانوا رغم لعبهم دور المعارضة بطبيعة الحال يسارعون إلى تخفيف أعباء الفشل الحكومي عن المواطنين بأسواق خيرية، وأعمال إغاثية، ونحوها.

وفي هذه الأثناء قدَّم الإخوان طرحًا يتبنى التجميع في باب العقيدة والتساهل في شأن البدع، وكذلك اتباع منهج التيسير في الفتوى "حتى ولو مع مخالفة الدليل!"، كما قدَّموا تنازلات في موضوعات السياسية الشرعية جعلتهم يُصنـَّفون ضمن تيار "الإسلام الليبرالي!".

ودارتْ بين الإخوان والسلفيين مناقشات ومساجلات حول هذه القضايا، ومع هذا فقد ترسخ لدى السلفيين أن ما يجمعهم بالإخوان أكثر مما يفرقهم، وكان توصيف السلفيين للإخوان أنه مع كثرة مخالفاتهم إلا أنها لا ترقى إلى أن تكون في أصل كلي كما في خلافنا مع الشيعة -وإن كنا نختلف مع الإخوان في موقفهم من الشيعة-، كما أن الإخوان كانوا بعيدين عن التكفير والعنف، وهي الأمور التي كنا -وما زلنا- نرى فيها هدمًا للدعوة الإسلامية، بل وللمجتمع بأسره.

وقد تعرضت الحركة الإسلامية ككل لضربات منذ عام 1994م والذي شهد قضية للدعوة السلفية، وعام 1995م والذي شهد أكبر قضايا الإخوان في عصر "مبارك"؛ مما جعل الردود المتبادلة بين السلفيين والإخوان تشهد هدوءًا ملحوظًا لا سيما مع تشديد القبضة الأمنية على الجامعة التي كانت تشهد معظم هذه المساجلات.

وبعد أحداث 11 سبتمبر 2011م تعرضت الدعوة لتضييق أمني "لا سيما في الجامعة"، وتم عمل قضية في عام 2002م ركزت على العمل الجامعي، وشهدت تلك الفترة تضييقًا أمنيًّا على "السلفية"، وتزامن هذا مع تخفيف القبضة الأمنية على الإخوان (ومن نافلة القول أن نشير أننا كنا دائمًا ما نفسِّر هذا السلوك الأمني بوجود معطيات سياسية، وفسرنا هذه الحالة آنذاك بالضغوط الأمريكية التي كانت قد أعلنتْ الحرب على السلفية في حين عملت على بناء شبكة علاقات مع التيارات الإسلامية المعتدلة كما جاء في تقرير "راند"، وهذا يختلف عن سلوك الإخوان معنا حيث كانوا يرون أي انفراج أمني دليلاً دامغًا على العمالة!

وقد صرَّح الدكتور "محمد حبيب" بهذا قبل خروجه من مكتب الإرشاد بقليل بأن سماح الدولة لفضائيات سلفية هو نوع من التواطؤ بيْن الأمن والسلفية رغم علمه بأن هذه القنوات في ذلك الوقت كانت موصدة أمام دعاة "الدعوة السلفية"؛ لكونها تمارس عملاً منظـَّمًا مع أنه كان منظمًا تنظيمًا إداريًّا ليس فيه التعقيد الذي عند جماعة الإخوان مثلاً!).

وفي هذه الأجواء بدأت مناوشات تظهر على السطح، منها: ردّ د."غزلان" على د."الهلباوي" يُنكِر عليه دعوته للتقارب مع الشيعة، ومنها: رد د."غزلان" أيضًا على د."أبي الفتوح" في زيارته لـ"نجيب محفوظ"، وصُدِّر هذا أمام غير الإخوان بأن جيل الستينيات قد فاض به الكيل من التوجه الليبرالي لجيل السبعينيات؛ مما حدا بباحث له علاقة وثيقة بالإخوان، مثل: "حسام تمام" -رحمه الله- أن يكتب دراسة بعنوان: "تسلف الإخوان"، وبلا شك لاقتْ هذه التوجهات استحسانًا سلفيًّا.

وجاءت ثورة "25 يناير" على هذه الخلفية وكشفت العلاقات المباشرة عن أمور لم نشأ أن نتناولها حتى جاءت لحظة عزل الدكتور "مرسي"؛ لنجد الاستعانة بخطاب فيه تلويح بالتكفير وبالعنف، وإن صدر من رموز غير إخوانية، ولكنه مثـَّل خطـًّا ثابتًا على منصة "رابعة"، وقد نصحناهم مِرارًا أن يمنعوا هذا الخطاب... فرفضوا!

وتصاعدتْ نبرة استغاثة كانت قد بدأت منذ 2006م من سيطرة التيار القطبي على الجماعة، وهذا الادعاء يتضمن شقـًّا ظاهرًا تمام الظهور، وهو أن كثير من قيادات مكتب الإرشاد الحالية كانوا أعضاءً في "تنظيم 65" أو دخلوا الجماعة على يد مَن هذه صفته، وهذه ليست تهمة، ولكن التهمة التي تستحق الدراسة هي أنهم ما زالوا على قطبيتهم "والتي تعني استبطان تكفير المجتمع"، أو يعتنقون فكرًا فيه بعض سمات التكفير "وإن لم يرقَ إلى التكفير الصريح".

وأخذت الشواهد تتراكم شيئًا فشيئًا، ومنها المشاريع الانتقامية من المجتمع التي تمت الدعوة إليها عبر مواقع شبابية إخوانية بعد عزل د."مرسي"، مثل: "منع الأضحية - أو تعطيل المرور - أو استهلاك الكهرباء - ... "، وكلها مشروعات فيها عقوبة للمجتمع أو -على الأقل- لا ترى غضاضة في التضييق على الناس في سبيل الضغط على الحكومة!

وجاء تصريح د."البلتاجي" بأن العنف في "سيناء" يتوقف في الثانية التي يعود فيها الدكتور "مرسي"؛ لتجعل أقل دلالاته أنه يرحِّب بعمليات قتل لجنود أبرياء "وإن قام بها غيره" طالما أنها تدعم موقفه السياسي!

الصفحة التالية