شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإخوان بين التيار "البناوي" والتيار "القطبي" وجيل السبعينيات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

كما أن الإخوان رفعوا بعد الثورة عددًا من المقاطع المرئية لدروس في "أُسَر الإخوان" في شرح رسائل الأستاذ "حسن البنا" لكثير مِن الرموز، مثل: الأستاذ "محمد حسين"، والدكتور "عصام العريان"؛ مما أوجد مادة للبحث مِن جهة، ومما أثبت مِن جهة أخرى أن رسائل الأستاذ "البنا" هي المنهج المعتمد لأسر الإخوان حتى في ظل ما يُعرف بسيطرة التيار القطبي على الجماعة (يرى البعض أن الفرق الجوهري: أنه في ظل سيطرة التيار البناوي تُلحق رسالة دعاة لا قضاة بمنهج الإخوان، بينما يرفض التيار القطبي إدراجها في المنهج بعلة أن المتفق عليه الاكتفاء برسائل المؤسس!).

واستسهل الكثيرون الأمر، فاعتبر البعض أن جيل السبعينيات معبِّر تعبيرًا دقيقًا عن "التيار البناوي"، وأننا يمكن أن نعرف أفكار "قطبِيِّ الإخوان" من خلال أفكار التيار القطبي خارج جماعة الإخوان، وفي كل من الفرضين مجازفة؛ فقد بقيت في جيل السبعينيات آثار نشأة سلفية تجعله تيارًا ثالثًا تآكل -أو كاد- داخل جماعة الإخوان، وهذا الجيل ما زال يحتفظ ببعض البصمات السلفية، مثل الورع عن التكفير، والحرص على الإصلاح المتدرج.

والفروق بين التيار البناوي "الأصلي" والتيار القطبي ليست كبيرة؛ بدليل قدرتهم على التعايش سويًّا فترة كبيرة، وبدليل أن حركة 2005م وما بعدها أخرجتْ د."إبراهيم الزعفراني"، وم."حامد الدفراوي"، وم."خالد داود"، ولحق بهم فيما بعد د."محمد حبيب"، ود."عبد المنعم أبو الفتوح"، وكلهم من جيل السبعينيات.

كما أن ثمة أفكار تمثِّل فروقًا بين أفكار قطبِي الإخوان والجماعات القطبية الأخرى في عدة جوانب؛ لعل مِن أبرزها: "مسألة جدوى العمل السياسي"، وهذه الدراسة محاولة لتلمس معالم كل تيار مِن هذه التيارات.

أولاً: معالم دعوة الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله تعالى-:

1- شخصية "حسن البنا":

لن نستطيع في هذه الدراسة المختصرة أن نقدِّم ترجمة وافية عن "حسن البنا" -رحمه الله-، ولكن يكفي أن تعرف أنه نشأ نشأة دينية، وأنه عُرف بالحماسة الشديدة للدين والغيرة عليه، وأنه تلقى توجيهًا صوفيًّا في المراحل المبكرة جدًّا في حياته، ثم تلقى توجيهًا سلفيًّا حينما قدِم القاهرة، ثم جاء تعيينه في الإسماعيلية حيث ابتعد عن شيوخه مِن هذا التيار ومِن ذاك، ليخلو بنفسه ويفكر في أن يقدِّم شيئًا جديدًا للأمة؛ لا سيما مع حداثة العهد بسقوط الخلافة.

وثمة بُعد شخصي آخر كان له أبلغ الأثر في تكوين شخصية "حسن البنا" -رحمه الله-؛ ذلك أنه على مستوى حياته الشخصية ما تمنى شيئًا إلا وصار واقعًا وإن بدا للأعين بعيد المنال!

2- ملامح أزمة الأمة كما يراها "حسن البنا":

فكر "حسن البنا" في واقع المسلمين بعد سقوط الخلافة، فوجد عدة مظاهر للخلل، هي:

أ‌- انشغال المسلمين بكثير من الخلافات على عدة أصعدة.

ب‌- ويبدو أن "البنا" تأثر جدًّا بمسألة أن الإمام يرفع الخلاف في المسائل الخلافية، وكان هذا من الأشياء التي جعلته يُعلي جدًّا من شأن أهمية عودة الخلافة في أسرع فرصة.

ت‌- كما أنه وَجد مِن مظاهر الخلل: وجود الاحتلال، وترحيب الملك والحكومة بوجوده في مصر، وأن حالة باقي الأقطار لا تختلف كثيرًا عن حالة مصر، بل هي أسوأ!

ث‌- كما وجد أن هناك مناهج أخرى التف حولها الناس مِن: قومية، ووطنية، وغيرها... زاحمت الولاء للفكرة الإسلامية.

ج‌- وأخيرًا: رَصَد "حسن البنا" أن الناس بيْن نخبة مدركة، ولكنها لا تخالط العامة، وبين عامة غير مدركة.

ح‌- وقد شعر "حسن البنا" أنه يمكن أن يقود جيلاً شاملاً للأمة الإسلامية إلى درجة أنه درس واقع بلاد المسلمين الأخرى: كالسعودية، واليمن؛ لعله يجد بلدًا ظروفها أفضل مِن مصر، فاستقر به الحال إلى أن الأحوال في مصر هي أفضل حال يمكن أن يُطبَّق فيه مشروع إصلاحي شامل.

3- ملامح مشروع "حسن البنا":

بناءً على توصيفه لحالة الأمة خطَّ الأستاذ "البنا" الخطوط الرئيسية لمشروعه، وهي:

أ‌- حل مشكلة الخلاف بين المسلمين عن طريق الاتفاق على القدر المشترك بين المختلفين، وتأجيل حسم الخلافات إلى أن يوجد إمام يرفع الخلاف في المسائل المختلف عليها: وقد تدرجت هذه المسألة في فكر الأستاذ "حسن البنا" مِن رسالة "دعوتنا" -ولعلها أقدم رسالة تبيِّن أصول الدعوة- إلى رسالة "المؤتمر الخامس"، والذي انعقد بعد وفاة الأستاذ "رشيد رضا"، وخلافة "حسن البنا" له في رئاسة تحرير "المنار"؛ مما جعله يشعر أنه انتقل من جيل الوسط إلى الصف الأول في الحركة الإسلامية آنذاك (مِن الأمور العجيبة لدى جماعة الإخوان أنهم لا يذكرون خيرًا كان قبل أو أثناء حسن البنا إلا وهم يذكرون نشأة حسن البنا، وأنه تأثر برجال عظام: كمحب الدين الخطيب، ومحمد رشيد رضا، وقارئ التاريخ كما دونوه يتوهم وهمْ يصفون وجه الأرض المظلم، والجهل المطبق الذي أصاب مصر قبل إنشاء حسن البنا لجماعة الإخوان أن شيوخ حسن البنا قد فنوْا عن بكرة أبيهم في ساعة واحدة! بينما كانت وفاة رشيد رضا مثلاً بعد عشر سنوات من تأسيس الإخوان، وخلَّفه الأستاذ البنا في رئاسة تحرير المنار.

نعم، يحسب لحسن البنا أنه كان أكثر حيوية من جيل شيوخه، ولكن هذا القدر أمر وما يتصوره الإخوان في هذا الباب أمر آخر، ولعل محاضرة الأستاذ صبحي صالح التي قال فيها: "اسأل سنة 1928م"، وقال فيها: "لولا حسن البنا ما وُجد مَن ينادي بتحكيم الشريعة!"، إلى غير ذلك من الأقوال الغالية مِن جهة، والمنافية للتاريخ من جهة أخرى؛ وهذا مما يمنع الجماعة من المراجعة والتصحيح).

ثم تطور الأمر في رسالة التعاليم، والتي ضمتْ الأصول العشرين، وأركان البيعة، وهي تمثِّل الصورة الأخيرة من فكر الأستاذ "حسن البنا" -رحمه الله- في عدد من القضايا.

وفيما يتعلق بقضيتنا هذه، كان التطور كالآتي:

الصفحة السابقة الصفحة التالية