شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإخوان بين التيار "البناوي" والتيار "القطبي" وجيل السبعينيات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

5- ومن باب الاندماج في الدور التاريخي أكثر كان "سيد قطب" أميل إلى العمل النخبوي منه إلى العمل الجماهيري، وهي النظرة التي تعمقت لديه في أثناء فترة السجن حتى أصبح يحاول إقناع مجموعات من الإخوان بعدم جدوى محاولات الوصول المتسرع إلى الحكم؛ لأنه اكتشف أن القضية أعمق من غياب تطبيق الشريعة إلى غياب المفاهيم الإسلامية لدى الجمهور، وأنه لابد من طليعة تتشرب هذه المفاهيم ثم تبثها بين الناس، وهو هنا أيضًا يأخذ جزءًا آخر من الصورة الكلية لبدء البعثة (وهو ما صرح به بوضوح في شهادته المعروفة باسم: "لماذا أعدموني؟!).

6- إلا أن "سيد قطب" قد تطور فكره في الركن الثاني للمعادلة "النظرة الدونية إلى الآخر" بشكل اقترب جدًّا من التكفير عن طريق الإلحاح حول فكرة جاهلية المجتمعات المعاصرة، وهي الفكرة التي أشبعها بيانًا يُستعصى معه تأويلها على "وجود بعض سمات الجاهلية"، وأنه يعني الجاهلية الكبرى، وقد وضع شروطـًا وزادها تأكيدًا مِن بعده أخوه "محمد قطب" لكي يُوصَف مجتمع ما بأنه مجتمع إسلامي تكاد لا تنطبق إلا على الخلافة الراشدة! "وهو ما نتج عنه أن بعض التيارات القطبية تتحدث عن ردة جماعية للأمة الإسلامية، بعضهم يجعلها من القرن الرابع الهجري، وبعضهم يجعلها من القرن السابع الهجري، وبعضهم يجعلها منذ سقوط الخلافة العثمانية!".

7- فإذا عدنا لنموذج "الاستعلاء - الدونية - الكوابح" سوف نجد أن "سيد قطب" بينما زاد في جدًّا في المركب الثاني حتى بلغ به حافة التكفير الجماعي للأمة إلا أنه اكتفى بكابح محدود جدًّا! وهو نفي التلازم بين جاهلية المجتمعات وكفر مَن عاش تحت مظلتها، وأنه لا يعنيه الحكم على الناس "ورغم ما حكاه من معاناته من الإخوان أنفسهم من اتهامات له بتكفير الناس إلا أنه أصر كما أصر مِن بعده أخوه محمد قطب ألا يصرِّح بأنه يرى أن عامة المسلمين مسلمون؛ مما أوجد فرصة لاعتباره قد أصَّل لأصل وجود نوع من الناس لا هم مسلمون ولا هم كفار!

وهو ما زاده أخوه "محمد قطب" تأكيدًا حين قسَّم الناس الواقفين تحت تلك المظلة الجاهلية إلى ثلاثة أقسام:

أ- مسلمون بلا شبهة، وهم مَن عمل على إزالة تلك المظلة الجاهلية "ويبدو هذا الشرط مستوعبًا لجميع الجماعات الإسلامية، ولكنه عند مَن يجمع بين الفكر الإخواني والفكر القطبي قاصرًا على جماعة الإخوان".

ب‌- كفار بلا شبهة، وهم مَن رضي بهذه المظلة الجاهلية.

ت‌- كتلة متميعة صرَّح بأنه لا يعنيه الحكم عليها "واضح جدًّا مِن السياق أن أصحاب المنزلة بين المنزلتين عند جميع مَن قال بها مِن أول المعتزلة الذين وضعوا فيها مرتكب الكبيرة إلى الفكر القطبي بجميع تجلياته كفار تجري عليهم بعض أحكام المسلمين".

ومِن المفيد أن نوضح أن هذا النموذج الثلاثي قد نُقِل عن "محمد قطب" مع تعديلات بعضها أشمل، وبعضها أخص، فمنها: تحويل العامل الذي يجري عليه التقسيم مِن مجرد الموقف من المظلة الجاهلية إلى الموقف من الإيمان والكفر إلى ثلاثة أقسام -عند جماعات التوقف- وهم:

أ‌- مسلم له حقيقة الإسلام، وهو المسلم الذي نطق الشهادتين، وتعلَّم بعض التفاصيل التي يشترطونها ولم يرتكب ناقضًا من نواقضها.

ب‌- كافر، وهو الكافر الأصلي، ومَن ارتكب ناقضًا من المسلمين، ومنها: موالاة أهل الجاهلية بالطبع "وهؤلاء يكفرون نوعًا وعينًا بلا اعتبار لعارض الجهل والتأويل".

ت‌- متوقف فيهم أو مسلم له حكم الإسلام دون حقيقته، وهؤلاء مَن عُلِم عنهم النطق بالشهادتين، ولكن لم يُعلم عنهم تعلم التفاصيل التي يشترطونها، وفي ذات الوقت لم يرتكبوا ناقضًا؛ وإلا لدخلوا في قسم الكفار.

كما أن بعض المعاصرين قد دافع عن قضية "كفر تارك الصلاة" وهي مسألة خلافية؛ فادعى فيها الإجماع ثم عاد فقرر أنه لا يَلزم من تكفير تاركها إقامة الحد عليه أو عدم معاملته معاملة المسلمين، وهو تقرير لوجود نوع ثالث ينتمي إليه معظم عوام المسلمين، وهو في ذلك يحقق نفس نتائج الفكر القطبي بطريقة يمكن أن تُحسب على الفكر الوهابي "يجب ملاحظة أن التوقف يتعلق بقسم، والتكفير يتعلق بقسم آخر، وقضية العذر بالجهل فرع على التكفير، ومِن ثَمَّ فلا تلازم بين التوقف وبين العذر بالجهل أو عدمه من الناحية النظرية، وإن كان عامة مَن يتوقف مع مجهول الحال أنه يكفِّر مَن تابع الطاغوت دونما اعتبار للجهل أو التأويل!".

8- اعتذر "سيد قطب" -ومحمد قطب مِن بعده- عن عدم تصديهم للحكم على هذا النوع الثالث بأن الأولى أن نسعى إلى البيان، ومِن ثَمَّ إيجاد التمايز؛ بحيث يكون هناك معسكران: معسكر إيمان لا كفر فيه، ومعسكر كفر لا إيمان فيه، وهو في سعيه لهذا التمايز لا يرغب ولا يتمنى ولا يحاول أن يكون معسكر الإيمان الذي لا نفاق فيه هو الغالبية العظمى من المسلمين، بل هو يرى أن هذا خلاف السنن الكونية -وفي الواقع فإنه خلاف الراوية التاريخية التي يحاكيها!-، ومِن ثَمَّ فهو دائم الإلحاح على فكرة الطليعة المؤمنة، ودار الأرقم بن أبي الأرقم -رضي الله عنه-.

وهذا قد يجعلنا نراجع الاعتماد على قصص المواجهات بين المسلمين والكفار في استخلاص الدروس دونما الإشارة الواضحة الجلية للفرق بين دعوات الأنبياء في مجتمعات كافرة، ودعوتنا في مجتمعات مسلمة.

9- ومن نتائج هذا الأمر: أن أصبح حدوث هذا التمايز في حد ذاته أملاً يسعى إليه أصحابه؛ ليحلوا الكثير مِن مشكلاتهم، ولو كان هذا التمايز المزعوم بإدخال البلاد والعباد في فتن لا يعلم مداها إلا الله!

كان هذا هو التطور الذي دخل على الفكر القطبي من ناحية جذور التكفير، وأما العنف فلم يتراجع "سيد قطب" عن فكرة "النظام الخاص"، وإنما قرر أن وجوده ينبغي أن يكون قاصرًا على الردع متى تعرضت الدعوة للخطر، وعليه "ما لم يحدث ذلك" أن يبقى كامنًا لا يمارس أي أعمال من جنس تغيير المنكر باليد، ولا أن يسعى إلى حدوث انقلاب.

الصفحة السابقة الصفحة التالية