الإخوان بين التيار "البناوي" والتيار "القطبي" وجيل السبعينيات
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ولكن وقبل أن تفهم منه أن الآخر قد بلغ في دونيته عن الإخوان أنه أصبح "كافرًا" يضع الأستاذ حسن البنا "كوابح" بالنص على أن الآخرين مسلمون أو يأمر بالحرص على خدمتهم أو السعي في تحقيق مصالحهم، وفي ظل عدم وجود تأصيل لمسائل الإيمان والكفر -يمكنك أن تراجع باب ما يصير به المسلم كافرًا من كتاب الإسلام لسعيد حوى لتكتشف أنك أمام رجل يعدد أوصافًا فضفاضة جدًّا في باب شديد الخطورة كهذا- فستبقى هذه الكوابح في يد مَن بيده البيعة حتى إن "التنظيم الخاص" قام باغتيال "الخازندار" بناءً على كلمات عابرة من حسن البنا تؤكِّد عداوة هذا الرجل للإخوان، بينما لم يحتج "النقراشي" لمثل هذه الكلمة حيث كان حله لجماعة الإخوان كافٍ تمامًا ليتحرك النظام الخاص لقتله؛ لأنه وفق رواية الأستاذ "محمود الصباغ" أحد قيادات "التنظيم الخاص" أضل رجل وُجِد على الأرض منذ هبوط آدم -عليه السلام- إلى الأرض!
إن هذه الكوابح وإن نجحت في المنع من تكفير "المتردد" حيال دعوة الإخوان وفق تقسيم الأستاذ "البنا" فسوف تفشل أحيانًا في المنع مِن تكفير "المتحامل"، وسوف تفشل غالبًا في المنع مِن تكفير "العدو" المظهِر عداوته.
وإذا ضممنا لهذا أن الأستاذ "البنا" قد جعل العنف خيارًا مقبولاً "وإن لم يجعله خيارًا أوليًّا"، ومَن يتبنى العنف يحتاج إلى أن يتبنى معه التكفير، فمن هنا يمكننا أن نقول: إن فكر الأستاذ "البنا" قد وَضع الأساس لقبول "العنف المبني على التكفير"، وأن الكابح الرئيسي لهذا المسلك بشقيه هو "وجود فرصة تغيير سلمي"، ومتى أغلقت فتستطيع القيادة الإخوانية أن تزيل هذا "الكابح" بتوصيف مختصر، هو: أن الدولة أغلقتْ طريق العمل السلمي، وأن أفرادًا معينون أو عموم المجتمع أصبحوا عقبة في طريق المشروع الإسلامي! ويمكن في ذلك مراجعة موقف حماس مع فتح في غزة، وموقف الإخوان في مصر مع الدولة في 1954م، وفي 2013م، والذي جدَّ في 2013م هو المرور بالحالة الثورية في طريق الانتقال إلى العنف "غني عن الذكر أننا نقيِّم سلوك الإخوان، وليس المقصود هنا بيان أخطاء الحكام أو الأنظمة التي واجهتهم في كل هذه النماذج".
جذور التكفير عند "سيد قطب" -رحمه الله- ومدرسته:
قبل أن نبحث ما أدخله الأستاذ "سيد قطب" على منهج الأستاذ "حسن البنا"؛ لا سيما فيما يتعلق بجانب جذور التكفير والعنف "وهو تعديل ليس بالكبير على ما سنبين" - نعرِّف أولاً تعريفًا موجزًا بالأستاذ "سيد قطب".
التعريف بـ"سيد قطب":
لالتزام "سيد قطب" قصة طويلة معروفة، ولكن الذي يعنينا هنا الصفات الشخصية والتجارب التي أثرت فيما بعد في فكر الأستاذ "سيد قطب"، ومِن أهمها: أن "سيد قطب" كان أديبًا روائيًّا، والروائيون يميلون إلى تطبيق قاعدة: "التاريخ يعيد نفسه"، ويبالغون في هذا الأمر جدًّا؛ فكلما مرَّ بأحدهم موقف استدعى رواية "حقيقية أو مؤلفة"؛ ليختار أن يعيد تطبيقها على أرض الواقع، ويتماشى مع أحداثها حذو القذة بالقذة.
ومِن قبل أن ينضم "سيد قطب" إلى الإخوان كتب في مقدمة الطبعة الأولى من كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام" أنه يتوقع ظهور طليعة مؤمنة تحقق ما يصبو إليه، وأنه يرى وجودها أصبح وشيكًا "ورغم أنه كان يتكلم عن طليعة مؤمنة بتطبيق جانب العدالة الاجتماعية، ورغم أنه كان يتحدث عن حلم وليس عن واقع؛ إلا أن الإخوان قد اعتبروه أنه يتحدث عنهم! والشاهد تشبع سيد قطب بفكرة الطليعة المؤمنة التي تقود الأمة".
وثمة أثر أدبي آخر في شخصية "سيد قطب" -رحمه الله-، وهو قناعة "سيد قطب" الأدبية بعدم الفصل بين الفكرة والعاطفة، وهو مذهب يُستعصى معه تصور وجود مؤمن عاصٍ، ومَن تتبع كلام "سيد قطب" يجد أنه لا يكاد يتصور المعصية إلا حالة استثنائية عارضة، وأن دوامها عنده ينافي الإيمان!
أهم ملامح فكر "سيد قطب" -رحمه الله-، وموقفه من التكفير والعنف:
1- انطلق "سيد قطب" مِن الأساس الذي دشَّنه "حسن البنا" أو التقتْ -على الأقل- أفكارهما.
2- ما زال نموذج "النظرة الاستعلائية إلى الذات" و"الدونية للغير" مع وجود "كوابح" تمنع من التكفير المحض هو النموذج الذي نتبعه في تحليل فكر "سيد قطب" -رحمه الله-، مع تغييرات في "النسبة"، وممن ألمح إلى هذا الأستاذ "سعيد حوى"، وهو ممن يرى تقديس إنتاج "حسن البنا" بنفسه "وبالنسب ذاتها"، فقال مدافعًا عن فكرة انقسام الإخوان إلى بناويين وقطبيين: "إن المسألة لا تعدو أن تكون طريقة في الطرح، وإن كان الواجب الالتزام بطرح الإمام البنا".
3- والمثير للدهشة أن وفق هذا النموذج لم تكن اختيارات "سيد قطب" في العناصر الثلاثة أسوأ من خيارات "حسن البنا"، بل كان في العنصر الأول على الأقل "النظرة الاستعلائية للذات" أكثر اعتدالاً من "حسن البنا" مِن حيث إنه لم يمدح الإخوان، وإنما مدح جيل الصحابة مع التصريح بين الحين والآخر أن بوسع أي جيل أن يكرر ذلك الجيل القرآني الفريد، وهو ما يفتح الباب أمام أي اتجاه لكي تستلهم ذلك النموذج، ولعل هذا ما يفسِّر أن "سيد قطب" أصبح لاحقًا الأب الروحي لعدد كبير من الجماعات "ومِن المهم أن نشير إلى أن أحد النقاط الجانبية التي أخذت على سيد قطب هي إلحاحه على إمكانية تكرار جيل مناظر تمامًا لجيل الصحابة، وليس فقط أن يكون متشبهًا بهم؛ مما ينقص من رتبة الصحابة عند الناس، ومما يجافي الواقع فضلاً عن أن تعليل هذا بأن القرآن الذي رباهم ما زال بين أيدينا، وأنه يغني عن وجود النبي -صلى الله عليه وسلم- وجود سنته - فيه إهمال لقيم وفضيلة معايشة النبي -صلى الله عليه وسلم- والتربي على يديه، والعجيب أن يتقبل منه الإخوان هذا، وهم لا يرون أن وجود رسائل البنا مغنية عن وجود البنا نفسه!".
4- ولعل هروب الأستاذ "سيد قطب" مِن المدح المباشر للإخوان إلى مدح الصحابة ثم استحضار أننا بوسعنا أن نكون مثلهم قد يكون راجع إلى أنه لم يكن قد حط رحاله بصورة نهائية مع الإخوان، أو مِن باب الورع أو لأنه يريد أن يكون حتى مفرداته أقرب ما تكون من الانطباق على القصة التاريخية وهو أقرب الاحتمالات.