حوار السِّلمية والعنف على مواقع الإخوان
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ظلت جماعة الإخوان المسلمين تتبنى المنهج الإصلاحي، وتنبذ العنف والتكفير منذ عودتها إلى الحياة العامة في أوائل السبعينيات وحتى الأزمة التي أحاطتْ بالجماعة بعد عامٍ مِن حكم الدكتور "محمد مرسي"، وقد بدأت الجماعة في تلك الفترة في إتاحة الفرصة في فاعلياتها لمن يلوِّح بالتكفير والعنف، ثم بدأ هذا المنحنى يتصاعد تدريجيًّا حتى لم يعد ثمة موجِّه للجماعة إلا قنوات: "رابعة - ومكمِّلين - وغيرهما"، ومِن خلال خطاب تكفيري واضح مِن "وجدي غنيم - وسلامة عبد القوي - وغيرهما"؛ مما اضطر الكثيرين ممن كانوا يودون أن تظل جماعة الإخوان على آخر مراجعاتٍ لها بعد كتاب: "دعاة لا قضاة" على هذا النهج السلمي - أن يُفتشوا في سر تقبـُّل قطاع عريضٍ مِن شباب الإخوان "وقياداتهم الوسطـَى" لهذا "العنف"، بل والتكفير بكل هذه السهولة!
ثم جاءت مقالات الدكتور "عبد الرحمن البر"، والدكتور "محمود غزلان" لتحذر شباب الإخوان مِن بوادر جنوح للعنف بدأت توجد في صفوفهم -"هكذا تلطف الرجلان في إثبات هذا الانحراف!"-، وكانت المفاجأة في ردود الأفعال العنيفة تجاه هاتين المقالتين!
والمفاجأة لم تكن في رفض الشباب لهذه المقالات؛ لأن الشحن المتوالي والمتواصل جدير بأن يفعل ذلك وأكثر، ولكن المفاجأة: أن يأتي هذا الكلام مِن بعض القيادات الوسطى "التي يبدو أنها ممسكة بزمام كثيرٍ مِن الأمور الآن"، ومِن هؤلاء: شخص اسمه "حازم سعيد" كتب مقالة بعنوان: "المحترمان: البر وغزلان... عفوًا أيها السادة!" (ذكر أحد المعلـِّقين عليها في موقع "نافذة مصر" إن اسم الكاتب اسم مستعار).
ومِن الواضح مِن خلال مقالات هذا الكاتب، ومِن تعليقات الإخوان عليها، ومِن بعض المواقف التي يحكيها في بعض مقالاته أنه يُمثـِّل قيادة "وسطى" في الإخوان، ويكفي أنه يتمكَّن مِن كتابة ردٍّ وثانٍ على "أعضاء مكتب إرشاد" وفي موقع "نافذة مصر" ذاته.
وبالتالي؛ فالأزمة لا تكمن في أن الجماعة حسمتْ خياراتها، ولكنها تُعاني مِن إقناع شبابها -بقدْر الإمكان- في أن الجماعة لم تحسم خياراتها، والأهم مِن ذلك: أن أفراد الجماعة مختلفون في فهمهم لمنهج الإخوان، بل ومنهج الأستاذ "حسن البنا" تحديدًا مِن قضيتي التكفير والعنف، وهو المعنى الذي يحتاج مِن كل مريدٍ لخير البلاد أن ينتبه إليه.
تنبيه:
لا أتحدث هنا بمعيار سياسي ولا قانوني، وإنما أتحدث بمعيار دعوي يبحث عن أفضل الحلول الشرعية لمحاربة فكر منحرف؛ لا سيما إن لم يكن قد تمكَّن بعد، وفي تركه حتى يتمكن مِن هذا العدد الكبير مِن الشباب خطر داهم على الأمة، وبالتالي فلا بد مِن إدراك أن الحوار مهما كانت مساراته محدودة فهو العلاج الأمثل، وإلا فالحل الأمني -وحده- لا يكفي "فهو لازم غير كافٍ"؛ هذا إذا كان منضبطًا، وأما إذا حدثتْ فيه تجاوزات فإنه حينئذٍ يكون جزءًا كبيرًا مِن الأزمة، والمحاكمات لمن ثبتت عليه جريمة لازمة، ولكنها لا تكفي إذا كانت عادلة، فإذا شابها التعميم أو الشيوع في التهم كانت إحدى أسباب الأزمة.
نموذج للتحوُّل الفكري لدى بعض القيادات الوسطى في الإخوان:
"حازم سعيد" صاحب الرد على الدكتور "البر" والدكتور "غزلان" كما يتضح مِن كتاباته على موقع "نافذة مصر" الناطق بلسان الإخوان، كان حتى بعد فض اعتصام "رابعة"، و"النهضة" يحذِّر مِن الاستدراج للعنف؛ فكتب في ذلك مقالة: "السلمية ماتت!" يحذِّر فيها مِن ترديد هذه العبارة، وكتب بصورة أكثر وضوحًا "وأكثر إدراكًا لأخطاء الماضي الإخواني" مقالة بعنوان: "لن ننجر إلى خازندار جديدة" تعليقًا على الحكم الصادر بحق "فتيات 7 الصبح" -قبل أن يتم إلغاؤه في الاستئناف- كتب فيها كلامًا طويلاً.
وكان بيت القصيد فيها الفقرة المعنونة بـ"لن تشهد مصر خازندارًا جديدًا"، والتي قال فيها: "بخلاف كونه رسالة، فإن هذا الحكم أيضًا هو أحد حيل الخائن السيسي ومخابراته؛ لجرنا إلى العنف واستفزازنا، أول ما حدث معي بعد أن سمعت الحكم أن كتبت تدوينة -بشتيمة- ضد جهاز القضاء، ما لبثت أن مسحتها خاصة بعد ما رأيت بعض الشباب المنفعل ضد القاضي؛ هذا هو ما يريده السيسي بالضبط، ننفعل فنلتقي القاضي في مكان ما، فيتورط شاب متعجل فيقتله؛ ليلصق تهمة الإرهاب بأنصار الشرعية، أو يفعله السيسي وعسكره الخائنون بأيديهم ثم يلصقونها بنا؛ كما فعلوا بالشيخ الذهبي في السبعينيات، أو كما كانوا ينوون لرجلهم وربيبهم علي جمعة، لولا أن الله قيَّض لنشطائنا نشر مثل هذا المخطط وفضحوه قبل وقوعه.
هذا هو عين ما كان يفعله الخازندار؛ أتى بالمجاهدين مِن الإخوان في فلسطين، فأجرى عليهم أحكامًا بالحبس وصلت لعشرات السنين، ولما كان يتخاصم إليه مصري وإنجليزي يقضي للإنجليزي دون نظر في الدعوى؛ ليتهور عليه شاب صالح فيقتله، ثم يسوقها الطغاة على أنها جريمة، مع أن القاضي ذاته هو المجرم، ويسوقها أعداء الإخوان في التاريخ ليبرروا جرائمهم ضد الإخوان، وليقولوا أننا متلطخون بالدماء، ولكن الإخوان وأنصار الشرعية قد وعوا الدرس وعرفوه، ويحفظون عن ظهر قلب كلمة مرشدهم: "سلميتنا أقوى مِن الرصاص"، ولو أن الإخوان سينجرون إلى العنف بمثل هذه الأمور، فقد كان أَوْلَى بهم أن ينجروا لذلك بعد مذبحة "رابعة والنهضة"، ولكنهم أبوا إلا السلمية؛ لأن فيها الدواء الشافي مِن مرض الانقلاب والخيانة والغدر الذين يتمتع بهم السيسي؛ لذا فإن مثل هذه الحيلة إلى زوال وإلى فشل، ولن تُلوَّث أيدينا بدماء هؤلاء المجرمين، وسنتركهم لعقاب الشعب وردعه، وهو قريب -إن شاء الله-، ولن يخدعنا السيسي ولا مخابراته" اهـ .
لاحِظ هنا أن هذا الكلام كان بعد واقعة استفزت الجميع بما في ذلك بعض الشباب الذين تظاهروا ضد حكم الإخوان، وكان الحكم فيها في قمة التجاوز؛ ومع هذا فقد نَهى عن استعمال العنف حتى مع ذات الشخص الذي أصدر ذلك الحكم استفادة مِن أول مشاكل العنف في تاريخ الإخوان، وهي: "اغتيال القاضي الخازندار".
ملاحظة على كلام الكاتب على واقعة القاضي "الخازندار":