حوار السِّلمية والعنف على مواقع الإخوان
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
لقد قدَّم الإخوان مراجعات فكرية واضحة للأفكار التي راجت في "مجموعة 65" -بغض النظر عن درجة مسئولية الأستاذ "سيد قطب" عنها- وذلك مِن خلال كتاب: "دعاة لا قضاة"؛ وحتى لو كان هذا الكتاب قد حُذف فيما بعد مِن منهج الأُسر الإخوانية تحت ضغوط التيار القطبي داخل الجماعة، إلا أنه أصبح جزءًا مِن تراث الجماعة، وبالتالي فالتفلـُّت منه لن يكون سهلاً؛ إلا أن الجماعة لم تقدِّم -حتى الآن- مراجعة لحوادث الاغتيالات التي تمت بأيدي "النظام الخاص"، ومِن أبرزها: اغتيال القاضي "الخازندار" و"النقراشي باشا"، واكتفت الجماعة بأن تتحدث دائمًا عن النظام الخاص، وأنه كان موجهًا للإنجليز، وأما عملياته ضد المصريين -وهي بالمناسبة أبرز عملياته أو -على الأقل- أكثرها ذكرًا في التاريخ-؛ فتصمم الجماعة على ترديد كلام يُفهم منه التأسي على أن خصوم الجماعة قد استعملوا الحادثة ضدها دون أن تتطرق إلى الحادثة ذاتها، وأظن أن هذا هو بيت القصيد، وهو السبب في الاضطراب الذي يصيب الكثير مِن الكوادر الإخوانية في تحديد موقف الجماعة "وبالأخص: الأستاذ حسن البنا" مِن قضية العنف!
مِن التأكيد على تكرار خطأ "الخازندار" إلى الدعوة إلى "القنص العام!":
كتب الأستاذ "حازم سعيد" مقالته المشار إليها في الرد على الدكتور "غزلان" والدكتور "البر"؛ فأثارت الكثير مِن ردود الأفعال التي كانت معظمها مؤيدة له، رافضة لدعاوى السلمية التي أطلقها الدكتور "البر" والدكتور "غزلان"؛ بينما هاجمه البعض متهمًا إيَّاه بأنه يدعو إلى "دعشنة الإخوان!"؛ فكتب مقالاً بعنوان: "بين دعشنة الإخوان... وعسكرة الثورة... مِن وحي التعليقات على المقالة الأخيرة".
وقد ذكر في مقاله هذا خلاصة فكرته، وأن الإسلام جاء بالسلمية وجاء بالجهاد، ثم بيَّن مَن يجب جهادهم مِن وجهة نظره "وهذه هي أزمته كما هي أزمة داعش -التي تبرأ منها- وإن اختلفا في الدرجة"، فقال: "وأما بالنظر للشخص المستهدَف مِن الجهاد والسيف والرمح؛ فأنا ميَّزت بيْن عموم المسلمين، وكذلك عموم المصريين -مسلمين ومسيحيين- الذين لم ينبذوا إلينا، ولم يتقدموا لنا بيد الخيانة، ولم يقتلونا، ولم يغتصبوا نساءنا، ولم ينتهكوا أعراضنا، لقد ميزت بيْن هؤلاء وبين العسكر المحتلين المجرمين.
أنا كنتُ -ولا زلت- أعني أنه لا بد للمحتل العسكري المجرم الذي ارتكب العديد مِن الجرائم والموبقات، وعوَّق الدعوة الإسلامية وعطلها تمامًا، ومنع وجودها في المساجد والمدارس والمستشفيات -فلا دعوة إذن على الإطلاق!-، وحارب كل الدعاة واعتقلهم وقتلهم، واغتصب نساءهم، واستحل أموالهم وأعراضهم، وطردهم وأبعدهم! أقول: كنتُ -منذ مجزرة "رابعة" وما تلاها-، ولا زلتُ -بل يترسخ الأمر مع الأيام- أعتقد أنه لا بد له مِن أن يَرى شوكة وقوة تردعه؛ خاصة مع تزييفه لوعي الحاضنة الشعبية التي ظلت الدعوة تبنيها فأصبحت فصيلين: إما خائف مرتعد في بيته، أو مخدوع بسحر الإعلام مصدق -رغم ما رآه مِن خير الإخوان- للزيف والباطل في حقهم، وإما -وهو الفصيل القليل جدًّا- ثائر بلا قوة ولا شوكة بالشوارع، يُقتل بالرصاص الحي".
ومع الانقضاض على التجربة الديمقراطية التي لم يكن لها شوكة أو قوة تحميها "كالحرس الثوري في إيران"، ومع منع كل مظاهر الاحتجاج السلمي والتعرض لها بالرصاص الحي والاعتقال والقتل... هل يعني هذا عسكرة الثورة، وأن تقف مصطفًّا كجيش في مقابل جيش؟! لا يمكن لي وبرأسي "عقل" أن أفكر في ذلك أبدًا؛ فليس هناك تكافؤ في الفرص، ولا القوة، ولا المقومات، ولا طبيعة الأرض، ولا التكوين الاجتماعي، ولا... ولا... إنما أن تنهك خصمك وتقتص مِن عين مجرمه المغتصِب أو القاتل الذي تيقنتَ بأنه بعينه قتل أو اغتصب، وأن تربك خصمك بتدمير آليات يحاربك بها ويقتلك بها؛ فهذا ما لا أظن أن عاقلاً يقول إنه خروج عما يطلقون عليه: "السلمية المبدعة الموجعة!"، وأنا أطلق عليه: "الشوكة والقوة"، ولا أظن أيضًا عاقلاً يفكر أن الثورة مع مثل هذه العصابة المجرمة -التي تحكَّمت في كل آلة القوة- يمكن أن تنتصر بدون قوة رادعة، نعم... لا بد للثورة مِن شوكة وقوة وقدرة على ردع الخصم وإنهاكه بما يعطـِّل أدواته التي يقتلك بها مِن معدات، وآلات، و"أشخاص" تيقنت وتعينت وتأكدت وتوثقت جرائمهم وجناياتهم الموجبة للقصاص".
وهذا الكلام "الخطير" له عدة دلالات:
1- قضية قنص الأشخاص المتورطين في حرب الجماعة مركوزة في فكر ذلك الشخص الذي انبرى للرد على د."البر" والدكتور "غزلان"، وهي عين قضية "الخازندار" رغم أنه نفسه أكَّد أن الجماعة لن تكررها رغم الحكم على "فتيات 7 الصبح"؛ مما يؤكِّد على أن الجماعة تحتاج إلى أن تراجِع أخطاء الجهاز الخاص مراجعة شرعية، وليست مراجعة سياسية فقط.
2- تسمية الجيش "بالمحتل" رغم أن الأستاذ "حسن البنا" لم يطلق هذا على "حكومات ما قبْل يوليو"، ومنها حكومات ممالئة تمامًا للإنجليز، بل هادن الإخوان حكومة "إسماعيل صدقي" مع مجاهرته بترحيبه ببقاء الإنجليز في مصر - يدل على أن هناك شحنًا سياسيًّا ومراهقة في توصيف الواقع تأثرًا بالأزمة السياسية، وهذا ما كان ينبغي على عقلاء الجماعة والوطن أن يتداركوه.
يوضِّح هذا أن أحد المعلـِّقين على المقالة الأولى لـ"حازم سعيد" قال معللاً سلمية الإخوان السابقة ولماذا يجب أن يتخلوا عنها الآن؟: "والله لا أعلم فهمًا للإسلام غير ما كتبتَ، وهناك تأصيل هام لم يذكره كاتب المقال الكريم... وهو أن الحكم الشرعي الآن أن هؤلاء خرجوا على رئيس شرعي بقوة السلاح، فقتالهم فرض عين على كل مسلم ومسلمة، إن ما منع الإخوان في عهود سابقة عن حمل السلاح ضد الأنظمة في مصر هو أنها كانت أنظمة شرعية وإن كانت ظالمة أو منحرفة، ولم يكن استبان بعد هل يريد الشعب أن يُحكم بشريعة الله أم لا؟ أما وقد تبيَّن رغبة الشعب في أن يحكمه الإسلام في 3 استحقاقات انتخابية، ثم خرج هؤلاء الخوارج على الأمة بسلاحهم فوجب قتالهم!".