مواقف الإسلاميين في مصر بعد "3-7-2013م"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ويكفي في الرد على هذا الادعاء أن نقرأ مقتطفات من بحث قدَّمه د."أكرم حجازي" إلى منتدى المفكرين المسلمين -وهو أحد الهيئات الداعمة لتحالف دعم الشرعية المطالب بعودة د."مرسي"-، حيث قدَّم بحثًا لمؤتمر عقده المنتدى في "13-4-2013م" بالقاهرة، وكان عنوان البحث: "الرؤية الفكرية للأمة بعد الثورة العربية: دراسة للواقع واستشراف المستقبل" جاء فيه: "باختصار: إذا كان الإسلاميون الذين وصلوا إلى قمة السلطة يخسرون لصالح الخصوم سواء كانوا من الليبراليين والعلمانيين أو من رموز "الثورة المضادة"؛ فكيف يمكن الركون إلى القول بأن الثورات حركة اجتماعية تدفع بالأمة نحو التحرر من "الاستبداد" و"التبعية" و"الهيمنة"؟! وكيف يمكن الثقة في أن الثورات الشعبية هي الوسيلة المناسبة لإحداث التغيير؟! والأهم: هل التغيير "خيار طوعي" للأمة أم خيار حتمي؟".
ثم يقول: "الإسلاميون -مثلاً- في مصر فازوا بأكثر من ثلثي المقاعد، وتبوؤوا منصب الرئاسة، لكنهم في الواقع عاجزون عن ممارسة الحكم، وعاجزون عن الدفاع عن أنفسهم، وعاجزون عن رد الاتهامات". ثم أخذ يعدد مصادر هذا العجز، وهو بذلك يصف حالة العجز دون أن يعرِّج على طريقة مَن في الحكم في التعامل معها، وهي الحالة التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه!
وقد يدَّعون مِن جهة أخرى أن الشعب نال فيها حريته وكرامته مع التصريح بأن معظم أجهزة الدولة "لا سيما الداخلية" لم تكن تحت طوع الرئيس؛ مما يعني أنه لم يكن مؤثرًا فيها وجودًا أو عدمًا!.
2- مدى واقعية الهدف:
إن الشرعية التي ينادي بها أصحاب هذا الاتجاه كانت موجودة وقائمة، ولكنها كانت مفتقرة لكثير من أسباب البقاء؛ ولذلك زالت، والسبب في هذا يرجع إلى وجود حنق شعبي، وتذمر في مؤسسات الدولة على حكم د."مرسي"؛ مما أدى إلى زوالها، وبلا شك أن استمرارها كان أسهل من عودتها بعد زوالها، فطالما أن العوامل التي أدت إلى زوالها ما زالت قائمة أو زادت؛ فلمَ الإصرار على عودته؟!
3- شفافية الهدف:
من خلال ما طُرح في النقطة السابقة، بالإضافة إلى النظر في الأهداف والوسائل المعلنة سنجد أن الوسائل المعلنة لن تؤدي بفرض نجاحها إلى الهدف المعلن، فإن هذه الوسائل أقصى ما يمكن أن تنجح فيه -إذا نجحتْ- أن تُسقِط نظامًا "دون أن تضمن في يد مَن يسقط!"، وفي الأعم الأغلب لا تنجح جهود إسقاط الأنظمة عن طريق افتعال الأزمات إلا بعد فترة تُقاس بعشرات السنين "لا بآحادها"، ومَن استمع إلى كلمة د."محمد يسري" أمام مؤتمر رابطة علماء المسلمين -وهي مِن الجهات التي تؤيد هذا الحل عن الثورة المضادة- يجد أن الأمثلة التي ضربها لما سماه: بـ"استعادة الثورة" قد استغرقت فترات زمنية تقاس بعشرات السنين -كما أسلفنا-.
4- مشروعية الوسائل:
كان للأستاذ "حسن البنا" موقف من الثورة بيَّنه في رسالة المؤتمر الخامس قائلاً: "وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها, ولا يعتمدون عليها، ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها، وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر بأن الحال إذا دامت على هذا المنوال ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل وعلاج سريع لهذه المشاكل، فسيؤدي ذلك حتمًا إلى ثورة؛ ليست من عمل الإخوان المسلمين ولا مِن دعوتهم، ولكن مِن ضغط الظروف ومقتضيات الأحوال، وإهمال مرافق الإصلاح, وليست هذه المشاكل التي تتعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضي الأيام إلا نذيرًا من هذه النُذر؛ فليسرع المنقذون بالأعمال".
ومن خلال كلام الأستاذ "البنا" يتبين أنه لا يمكن أن يساهِم في عملية تثوير للأوضاع؛ لأن هذا ليس من دعوة "الإخوان"، وإن كان يمكن أن يتفاعل مع أي ثورة إذا قامت بالفعل بدون تثوير منه، وهذا يقترب مما تم في ثورة "25 يناير".
ولكن المشكلة في تبني "الخط الثوري" الآن دون تأصيل شرعي لكل الممارسات، ومنها:
1- تعمد زيادة الأزمات أو افتعالها.
2- مواجهة قوات الأمن بما يضر -وإن كان دون الرصاص-، وكانت الدعوة إلى استعمال ذلك في حال الدفاع فقط حتى توجهت نداءات بتعميم هذا على اعتبار أن كل سيارة شرطة إما اعتدت وإما ستعتدي! وقارن بيْن هذا وبين قول د."بديع" -وغيره-: إنهم قابلوا جلاديهم خارج السجون فلمْ يتعرضوا لهم ولو بشطر كلمة؛ لأن هذه هي أخلاق الإخوان!
3- المشكلة الأكبر تكمن فيما يتعلق بالنقطتين السابقتين بتعليلات تتضمن التكفير الصريح أو الضمني؛ سواء للشرطة كقول بعضهم: "داخلية لا دين لها"، أو حتى للشعب، كقول البعض تعليلاً لحملة منع الأضحية: "شعب لا يستحق!".
4- كذلك فإن الدعوة إلى مواجهة الرصاص بصدور عارية "فضلاً أن يتضمن هذا استفزازًا لمَن يملك الرصاص"؛ يجعل صاحب هذه الدعوة مسئولاً عن هذه الدماء "مع عدم إعفاء صاحب الرصاص قطعًا"، وبالإضافة إلى مخالفة أصل الفعل للشريعة فيبقى أن هذه الفتاوى سرعان ما تتغير أثناء المواجهات بعد سقوط بعض الضحايا مما يجعل الأمر يبدو متناقضًا!
فلو كان الواجب الثبات ولو بصدرٍ عارٍ -كما يُقال في أول الأمر-؛ فلماذا يتغير ذلك لاحقًا؟
ولو كانت هناك رخصة؛ فلماذا لم تعطَ للناس عند وجود بادرة مواجهة؟!
مما يوحي بأن المقصود وجود عددٍ من الضحايا، ثم تتغير الفتوى، وفي هذا إهدار لحرمة دماء شباب كل ذنبهم أنهم وضعوا ثقتهم فيمن لا يُتقِن هذه الأمور!
وأسوأ من هذا: تحريض فتيات على مواجهة قوات الأمن بطريقة معلوم سلفًا أنها ستؤدي جزمًا إلى إلقاء القبض على بعضهن -على الأقل-، ولعل الكثيرين قد صدموا من تصريحات للبعض تبدي حزنًا على حكم إخلاء سبيل فتيات الإسكندرية؛ لأن حبسهن كان جالبًا لتعاطف الكثيرين!
إن هذه الوسائل وإن فعلتها قوى لا تلتزم في عملها السياسي أو غيره بالشريعة، فلا يبيح هذا لنا أن نفعل مثلهم؛ لا سيما وأن الدماء والأعراض التي تتعرض للإيذاء تخص منَ وثقوا فيمن يقود مسيرة العمل الإسلامي أنه لا يأمرهم إلا بما يوافق الشرع.
مناقشة النماذج التاريخية: