شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مواقف الإسلاميين في مصر بعد "3-7-2013م"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

يحتج مَن يذهب هذا الطريق بأنه واقعي وممكن بدلالة تكرره تاريخيًّا، ويذكرون لذلك أمثلة، منها: "ثورة 25 يناير"، والآن يذكرون "ثورة الخوميني" في إيران، وبغض النظر عن مسألة الخلاف العقدي مع الشيعة فإن ظروف "ثورة يناير" تتشابه مع ظروف الثورة الإيرانية، وكل منهما تختلف تمامًا مع حال مظاهرات تحالف دعم الشريعة الآن، ففي "ثورة يناير" ومِن قبلها "الثورة الإيرانية" كان الناس يعانون من حكم ديكتاتوري ظالم جاسم على الصدور لفترة طويلة، واتفق الناس على غاية واحدة هي الإطاحة بالشاه، ووقف الجيش لسبب أو لآخر موقفًا حياديًّا، وهو أحد أهم شروط نجاح الثورات السلمية ضد الحكام كما بيَّن ذلك "جوستاف لوبون" في كتابه: "روح الثورات" أن انحياز الجيش أو حياده -على الأقل- شرط أساسي لنجاح أي ثورة.

فإن اُعترِض على ذلك بحالة "تشافيز"؛ فيمكن أن تضيف إلى الحالتين اللتين تحدث عنهما "لوبون" حالة ثالثة، ذكرها الروسي "ليون تروتسكي" فقال: "مصير كل ثورة يتحدد عند نقطة معينة بالانقسام في صفوف الجيش".

وهذا أحد أهم الفروق بين الحالة المصرية وحالة "تشافيز".

وحيث إن "الثورة" المراد إشعالها هي ضد الجيش؛ فلا مجال لانحياز الجيش أو لحياده؛ فبقي الانقسام وهو أمر غير حاصل، ولا ينبغي تمني حصوله لمجرد تحقيق مصلحة أخرى دون النظر لعواقب الأمور في حالة لو تحول هذا الحلم إلى حقيقة "لا سيما والجيش المصري هو الجيش الوحيد الذي يقف في وجه إسرائيل".

وقد يحتج محتج على هذا بأن الجيش المصري يرعى اتفاقية السلام الجائرة إلخ، مع أن قائل هذا الكلام يعلم أن د."مرسي" التزم بهذه الاتفاقية، وأن كل الأحزاب السياسية "لا سيما الإسلامية" قالت إنها لم تكن موافقة على عقد هذه الاتفاقية، ولكنها تحافظ عليها وفاءً بالتزام الدولة بتعهداتها، ولا ينبغي أن ينسى كل مدافع عن د."مرسي" أنه كان ولآخر لحظة يثني على الجيش وقياداته.

موقف "دعم الشرعية" يتعلق بالمبادئ أم بالمصالح؟

النقطة الأخيرة التي ينبغي أن نناقشها مع هذا الاتجاه هو البحث في هذا الموقف: هل هو مبني على مصلحة راجحة أم أنه ينطلق من نظرة مصلحية؟

إن الإجابة التي تنطلق بسرعة مِن أنصار هذا الاتجاه هي أن: "القضية قضية مبادئ"، في حين أن رموز هذا الاتجاه تعاملوا مع مواقف مشابهة -أو أشد- تعاملاً مصلحيًّا، كما تعامل الأستاذ "البنا" مع حكومات ما قبل "ثورة يوليو" ومنها حكومات أتت إلى الحكم على ظهر دبابات إنجليزية، ثم تعامل "الهضيبي" مع ثورة "يوليو"، وتعامل "نحناح" مع العسكر، وتعامل إخوان العراق مع الأمريكان!

وأما قضية الحكم والشريعة: فقد كان الوصول إلى "سدة الحكم" في هذه المرحلة مخالفًا لمقتضى الحكمة والعقل كما قرره الأستاذ "البنا" في رسالة المؤتمر الخامس، فقال: "وعلى هذا، فالإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا مِن الأمة مَن يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة، والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله.

وعلى هذا فالإخوان المسلمون أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال, فلابد من فترة تنتشر فيها مبادئ الإخوان وتسود, ويتعلم فيها الشعب كيف يؤثِر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة".

وإذا اعترض معترض بأن كلام الأستاذ "البنا" لا ينطبق على حال مصر الآن... فإليكم نصيحة مِن معاصر منتمٍ لنفس المدرسة والدستور، وهو الأستاذ "أحمد محمد كنعان" من إخوان سوريا، وهو أيضًا عضو مؤسس في اتحاد منظمات المجتمع المدني السورية، قال في تصريحات لمراسلة وكالة أنباء الشرق الأوسط في عمان على هامش مشاركته في مؤتمر "الإسلاميون والعلمانيون: نحو رؤية توافقية لاجتياز مرحلة الانتقال للديمقراطية" الذي اختتم أعماله يوم الأحد الماضي في الأردن: "إننا كنا قد التقينا مع قيادات الإخوان في مصر، وعلى رأسهم: المرشد العام محمد بديع، والدكتور عصام العريان، وباكينام الشرقاوي، وغيرهم، بغرض تقديم النصيحة الأخوية لهم، إلا أنهم لم يقبلوها وهو ما أوقعهم في الخطأ، أحسسنا وقتها أنهم يعيشون نشوة النصر خاصة بعد الفوز بالسلطة بعد سنوات طويلة".

وتابع: "إن إخوان مصر انتقلوا فيما بعد "30 يونيو" من حالة السياسة إلى المصارعة، ومع ذلك وجهنا لهم عدة رسائل طالبناهم فيها بأن ينسحبوا، وأن يمتصوا هذه الأزمة؛ إلا أنهم لم يستجيبوا، وهو ما جعلهم يدفعون الثمن!".

إن هذه الأصوات القديمة والحديثة لتنادي على الإخوان بأن يستجيبوا لصوت العقل بدلاً من الانزلاق إلى وسائل لا تناسب الدعوة الإصلاحية السلمية، وأخطر من ذلك ما تطلبه هذه الوسائل من تنظيرات تنتمي لمدارس مخاصمة للمجتمعات المسلمة ومستعلية على أفرادها؛ لا سيما وأن في الجماعة أجنحة مشبعة بهذه الأفكار.

نسأل الله السلامة مِن كل مخالفة للحق، ونسأله السداد في القول والعمل. اللهم آمين.

الصفحة السابقة