قرار السعودية و"بيان الإخوان"... دروس وعبر
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد درج كثير من رموز جماعة الإخوان على اتهام السلفيين بأنهم يمثـِّلون الفكر الوهابي المتشدد في مقابل الإخوان الأكثر انفتاحًا على كل المذاهب الإسلامية، والأكثر إعمالاً لقواعد السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية، وهي فكرة دندن حولها كثير من رموز الإخوان "التقليديين" -إن صح التعبير- وعلى رأسهم الشيخان: "القرضاوي" و"الغزالي"، وإن كان الأول كان غالبًا ما يعرضها في صورة هادئة ناعمة بينما بالغ الأخير في حملته على ما أسماه: بـ"الفقه البدوي!"، وعنه حملها كثير من العالمانيين، ثم رموا بها كل الإسلاميين فيما بعد، وبعض الملاحدة يرمي بها الإسلام ذاته، وإن كان كلهم قد استفاد من طرح بعض الدعاة لها! وإلى الله المشتكى.
ثم تطور الأمر بعد الألفية الثانية، ووجود ميل لدى قطاعات عريضة من الإخوان في التطبيع مع معايير "مؤسسة راند" للاعتدال، مما جعل ما أطلقوا عليه الفكر الوهابي هدفًا مستباحًا لهم، وهو الأمر الذي أغرى بعضهم بادعاء وجود علاقة بيْن كل مَن ينتسب إلى المنهج السلفي وبين "الحكومة السعودية"؛ على الرغم مِن أن غاية ما يوجد عند كثير من السلفيين هو اعتبار دعوة "محمد بن عبد الوهاب" -رحمه الله- إحدى الدعوات التي أُسست لنهضة إسلامية في القرون المتأخرة "وهو واقع قال به عدد كبير من رموز الإخوان أنفسهم".
بالإضافة إلى وجود منزلة عالية لبعض علماء السعودية المعاصرين: كالشيخ "ابن باز"، والشيخ "العثيمين" -رحمهما الله- في قلوب السلفيين، وهو سلوك انتهجه السلفيون مع كثير من العلماء غير السعوديين كالعلامة "الألباني" -رحمه الله-.
وفي ظل تبرؤ الإخوان المتتالي مِن نمط الفقه والفكر السائد عند علماء السعودية ثم محاولة رمي غيرهم بالتبعية الفكرية، بل والسياسية "للسعودية" لم يتخيل أحد من شباب الجماعات الإسلامية أن للإخوان علاقة خاصة بالمملكة العربية السعودية، وساعد على هذا عدم العناية من الحركات الإسلامية الأخرى بدراسة تاريخ الإخوان على اعتبار أنه ماضٍ والعبرة بالحاضر، وفي ذات الوقت فإن الإخوان يستدعون التاريخ بالطريقة التي تخدم الواقع وإن تجاوزت المصداقية التاريخية!
ومن هنا جاءت التطورات الأخيرة بين المملكة العربية السعودية والإخوان صادمة للكثيرين، ولا أعني هنا قرار السعودية باعتبار الإخوان جماعة إرهابية، ولا قرارها بالاشتراك مع معظم دول التعاون الخليجي بسحب سفرائهم من دولة قطر لموقفها المساند للإخوان؛ فكل هذا كان متوقعًا في ظل شعور السعودية ومعظم دول الخليج بخطورة ترتيبات كانت تتم في المنطقة لتنفيذ مشروع الشرق أوسط الكبير "أشرنا إليها في مقالة: نظرية صدام الحضارات والمشاريع المنبثقة عنها".
وهذه الترتيبات كانت تتم برعاية أمريكية وتعاون "إيراني - تركي - قطري"، وهي الدول التي تعاون معها نظام الإخوان بشكل مباشر؛ مما جعل دول الخليج تأخذ الأمر مأخذ الجد، ومِن ثَمَّ أيدت حركة الجيش المصري الذي تربى على احترام الحدود، والمحصلة أنه قد اقتنع الجميع بخطورة مشروع التقسيم، وأسهمت سياسات الإخوان الخارجية في تقوية الهواجس الداخلية والخارجية في بناء هذا الحلف، ولكن الإخوان مغرمون دائمًا بالكلام على أخطاء الآخرين؛ فيحصرون أسباب ما تم في "3-7" في الخوف الخليجي من تصدير الثورة، وخوف المؤسسة العسكرية مِن تقليص امتيازاتها.
وفي الواقع: إن هذه المخاوف كانت موجودة قبل انتخاب د."مرسي"، ومع ذلك لم يقم هذا الحِلف؛ مما يعني أنه على مَن يريد التحليل أن يحلل تحليلاً مطابقًا للواقع بحيث يقوده إلى عرض الحلول السليمة.
إذن فقرارات السعودية الأخيرة هي قرارات متوقعة، ولكن الدهشة جاءت مِن بيان الإخوان الذي جاء مفاجئًا من عدة حيثيات:
الأولى: اللغة البالغة الهدوء في ظل خطاب إخواني متصاعد، واتهامات بالتخوين والعمالة لكل مَن خاطب السلطات في مصر بما يفوق هذا الخطاب قوة بكثير، ومنها -على سبيل المثال-: قرار اعتبار الإخوان جماعة إرهابية في مصر، والذي استنكرته "الدعوة والسلفية" واستنكره "حزب النور"، واستنكره الشيخ "ياسر برهامي" بصفة خاصة "وهو الرجل الذي حاصرت مظاهرات محسوبة على الإخوان بيته، ورددوا هتافات يندى لها الجبين! ساهم في ترديدها رجال ونساء، وشباب وفتيات"، وكان الاستنكار الذي تم بعده التأكيد من الجهات المسئولة على مبدأ شخصية الجريمة، وأنه لن يحاسَب أحد لمجرد كونه من الإخوان "وهذا التأكيد النظري مفيد في حد ذاته بغض النظر عن درجة الالتزام العملي".
الثانية: أن بيان الإخوان قد تحدث عن علاقات تاريخية وممتدة مع المملكة العربية السعودية منذ أيام الملك "عبد العزيز" مؤسس المملكة السعودية الحديثة، والأستاذ "البنا" مؤسس جماعة الإخوان.
الثالثة: أن البيان استشهد من حيث الإجمال بفتاوى علماء السعودية الذين كان ذكرهم لا يرد في الخطاب الإخواني إلا مع ما ذكرنا مِن النقد!
ثم إن موقع "إخوان أون لاين" قد نشر مقالاً أورد هذه الفتاوى مفصلة عن "ابن باز" و"ابن عثيمين" -رحمهما الله- وغيرهما من علماء السعودية، والتي دارت حول شأن اعتبار الإخوان إحدى جماعات أهل السنة بالرغم مِن بعض التحفظات عليها، وفي البيان فوائد سوف نشير إليها، ولكن قبل هذا نورد ملخص تاريخ الإخوان والسعودية.
ملخص تاريخ الإخوان والسعودية:
تناول الدكتور "ناجح إبراهيم" ملخص تاريخ الإخوان والسعودية في مقالة له بعنوان: "الإخوان والسعودية... لماذا الطلاق البائن؟!" نشرتها صحيفة "الوطن" يوم الاثنين "10-3-2014م"، وتناول فيها ملخص تاريخ الإخوان والمملكة العربية السعودية، أنقله عنه مع التأكيد أن معظم أحداثه مذكورة في كتابات الإخوان، ومنها كتاب: "الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ" الذي يعتبر التأريخ شبه الرسمي لجماعة الإخوان.
يقول د."ناجح":
"وفي البداية: أود أن أطرح مختصرًا لتاريخ العلاقة بين السعودية والإخوان كالتالي: