واقعنا بين اليأس والأمل (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الغرض من الخطبة:
- بث التفاؤل والأمل بالله، ودفع اليأس والتشاؤم؛ ففي التفاؤل والأمل: صبر ورجاء وعمل، وفي اليأس والتشاؤم: قلق وسخط وكسل.
المقدمة: "مظاهر أعانتْ على وقوع اليأس والتشاؤم عند البعض":
- آلام وأحزان وفتن وحروب ضاعت معها كثير من بلاد المسلمين في الفوضى.
- أحوال اقتصادية حرجة، ومعاناة الفقراء؛ حتى لجأ بعضهم إلى الانتحار!
- مظاهر الظلم والقهر في بعض مؤسسات المجتمع، وشيوع الفساد داخلها.
- وغير ذلك من أسباب، والتي من خلالها نصب الشيطان شراك اليأس والتشاؤم لكثير من الناس: "لا فائدة - لا أمل!"، ومِن هنا كان لنا هذه الوقفة نتناول من خلالها هذه الظاهرة من منظور شرعي.
1- المحن والبلايا سنة الله في الخلق:
- الدنيا دار بلاء ومحن: قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ) (البلد:4) ، وقال: ( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (الكهف:7) .
- المصائب والبلايا امتحان من الله: قال الله -تعالى-: ( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ . أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:140-142) .
- المؤمنون أشد الناس ابتلاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سئل: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قال: ( الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- اقتران الآلام بالفرج والنصر واليسر: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (الشرح:5-6) ، وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "لو دخل عسر في جحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه؛ لأن الله -تعالى- يقول: ( إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ). "وكتب أبو عبيدة إلى عمر أمير المؤمنين، يذكر جموعًا من الروم، وما يتخوف منهم، فكتب إليه -عمر رضي الله عنه-:" أما بعد، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن من منزل شدة، إلا جعل الله بعده فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين". وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( النَّصْرُ مَعَ الصَّبْرِ، وَالفَرَجُ مَعَ الْكَرْبِ، وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (رواه الخطيب في تاريخه، وصححه الألباني) .
2- الإسلام يدعو إلى التفاؤل وينهى عن التشاؤم:
- الإسلام يدعو إلى التفاؤل والأمل في الله، وينهى عن التشاؤم واليأس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الفَأْلُ ) قَالَ: وَمَا الفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ ) (متفق عليه) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: " كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَة " (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
تنبيه: لا يجوز التفاؤل بغير ما ورد في الحديث.
- التشاؤم واليأس سوء ظن بالله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ) (متفق عليه) . "فماذا تظن بربك؟! فعلى نوع ظنك يكون حالك".
- قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما ظن عبد بالله خيرًا، إلا أعطاه إياه".
ـ التشاؤم واليأس عجز وكسل، والتفاؤل والأمل في الله إقدام وعمل: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَلا تَعْجَزْ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إنْ قامَتِ السّاعَةُ وَفِي يَدِ أحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِن اسْتَطَاعَ أنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَها فلَيَغْرِسْها ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
- التفاؤل بناء وإقدام، والتشاؤم هدم وإحجام: عن أنس -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَنْ يَسْمَعَ: يَا رَاشِدُ، يَا نَجِيحُ" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- وكان -صلى الله عليه وسلم- يغير الأسماء بثـًّا للأمل والتفاؤل: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَيَّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقَالَ: ( أَنْتِ جَمِيلَةُ ) (رواه مسلم) .
وعن سعيد بن المسيب -رحمه الله-: أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ( مَا اسْمُكَ؟ ) قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: ( بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ ) قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي! قَالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: "فَمَا زَالَتْ فِينَا الحُزُونَةُ بَعْدُ" (رواه البخاري) .
- التفاؤل والأمل بالله كالمرهم على الجرح، والتشاؤم واليأس كالملح على الجرح: كان مِن دعائه -صلى الله عليه وسلم- الذي يبث به الأمل إذا دخل على المريض: ( لاَ بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) (رواه البخاري) ، ولما قالها لرجل متشائم، قال: كَلا، بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تزيره الْقُبُور، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَنَعَمْ إِذًا ) (رواه البخاري) .
3- أمور تعين على التفاؤل وبث الأمل، ودفع اليأس والتشاؤم:
أولاً: الدعاء والالتجاء: